جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ٢٥٥لذاته ويرى الإمام محمد عبده تغليب العاقل على غيره لنكته لاحظتها العرب وهي أن لفظ العالم لا يطلق على كل كائن وموجود فيقال عالم الحجر وعالم التراب وإنما يطلق على كل جملة متمايزة لأفرادها صفات تقربها من العاقل الذي جمعت جمعه إن لم تكن منه فيقال عالم الإنسان وعالم الحيوان وعالم النبات ثم قال ونحن نرى أن هذه الأشياء هي التي يظهر فيها معنى التربية الذي يعطيه لفظ رب لأن فيها مبدأها وهو الحياة والتغذي والتولد، وهذا ظاهر في الحيوان ثم حكى عن أساتذة السيد جمال الدين الأفغاني أن الحيوان شجرة قطعت رجلها من الأرض فهي تمشي والشجرة حيوان ساخت رجلاه في الأرض فهو قائم في مكانه يأكل ويشرب وإن كان لا ينام ولا يغفل.
ويتضح لك بما ذكرناه سابقا أن التربية تظهر في كل شيء وليس ظهورها محصورا في الأصناف التي ذكرها الأستاذ الإمام وللعلماء أقوال في جمع العالم مع أن العالم اسم جنس يستغرق جميع أفراده من غير أن يجمع وأحسن ما يقال أنه أريد به جنس من أجناس العالم كالبشر أو الملائكة أو الجن أما بهذه الصيغة فلا يبقى مجال لتوهم ذلك.
وتربية الله للعالمين تنقسم إلى قسمين: تكوينية وتشريعية. فالتكوينية ظاهرة على كل شيء ولنأخذ الإنسان مثلا لذلك فإن الله أوجده من خلية مهنية حقيرة إذا نظرت بالمجهر لم تكد تبصر لدقتها المتناهية ولكن لم تلبث أن تطورت بأطوار تربية الله المختلفة حتى خرج منها بشر سوي سميع بصير يفكر ويقدر ويدبر ويعلم ويريد يتميز بقدرات معنوية مع ما أوتيه من قوة حسية أهله كل ذلك للخلافة في الأرض والاضطلاع بأمانة ثقلت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وكل ما يسره الله سبحانه للإنسان من قوام جسده داخل في حدود تربيته التكوينية.