جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٣٧

وما الهدف من ذلك إلا تجميد حركة الاسلام وإضعاف الدعوة إليه، ومع الأسف الشديد لقيت هذه الفكرة قبولا في الأوساط الاسلامية ورواجا في سوق الكتاب حتى صار من خالفها معرضا للنقد والاستخفاف، خصوصا عند تلامذة المستشرقين الذين يتقصمون الفقه في الدين وهم عُمي عنه أو متعامون، وقد أفضى الحال بأحد هؤلاء أنه ألقى محاضرة في الجهاد أمام حاكم بلاده وجم غفير من المستمعين، جاء فيها: إن الاسلام ما جاء إلا لتأمين حريات الناس في المعتقد والسلوك، وهو كلام يترتب عليه إلغاء الأحكام الشرعية، وتحطيم القيود الخلقية والاجتماعية التي فرضها الدين والعقل، إذ لا معنى لحد الزاني أو الشارب مثلا ما دام لكل أحد في الاسلام حريته المطلقة، في سلوكه الفردي أو الاجتماعي، فضلا عما يقتضيه كلامه من تجميد حركة الدعوة الاسلامية، لمذمتها حريات الناس في معتقداتهم، ونحن إن أسلفنا لمثل صاحب المنار- في سعة أفقه وغزارة علمه، ونبل قصده- أن تطلى عليه هذه الخدعة الاستشراقية، وأن يسلم لهذا المنطق المضطرب.

والقول الفصل الذي تدل عليه النصوص ويشهد بصحته التاريخ أن الاسلام وصل إلى عقول الناس بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان، لكن السيف كان عاملا مهما في تذليل العقبات في طريقه، وفتح الأبواب الموصدة بين يديه، فإن طواغيت الكفر- الذين سيطروا على حياة الناس الخاصة والعامة، وجعلوا من أنفسهم آلهة تعبد، لهم مطلق الأمر والنهي في العباد والبلاد- لم تكن طريقها إلى عقول الجماهير الذين استعبدوهم، ونفوس المستضعفين الذين استذلوهم، فكان الواجب أولا يقتضي أن يقضي على سلطة هؤلاء المتكبرين، لتجد الدعوة الاسلامية الباب مفتوحا بين يديها.

٤١٣ / ١٬٤٤٧