جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٩والآيات التي استند إليها صاحب المنار لا تدل بحال على صحة الفكرة التي انتهجها، بل منها ما يدل على خلافها، فقوله تعالى: ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.. ﴾(1) . دليله واضح على أن الجهاد شرع لرفع راية الحق ونشر عقيدة الاسلام، إذ ليس من المعقول أن يكون الدين لله مع تقديس الأوثان وعبادة الأصنام، واتخاذ الأنداد لله سبحانه، أو مع التجرد من الدين، واتباع المعتقدات الإلحادية، وفي معنى الآية حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- عن الشيخين: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم، إلا بحق الاسلام، وحسابهم على الله" وهو نص ليس عليه غبار في مشروعية الجهاد لأجل نشر الدين، ويؤيده قوله سبحانه: ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ﴾(2) .
وهل لله سبحانه دين غير الاسلام مع قوله: ﴿ إن الدين عند الله الاسلام ﴾(3) .
وإذا كان هذا حكم الجهاد بالنظر إلى الطبقة الحاكمة من الكفار الحائلة دون انتشاره بجبروتهم وسلطانهم، فإن حكم العامة يختلف باختلاف معتقداتهم، فأهل الكتاب- وهم اليهود والنصارى- يدعون إلى قبول الاسلام، وتشرح لهم معتقداته، وأحكامه، وتوضح لهم براهينه وحججه، فإن رفضوه أخذت منهم الجزية وكانوا في ذمة المسلمين يتمتعون معهم بحق المواطنة، وينعمون بالأمن والاطمئنان شريطة رضوخهم لحكم الاسلام، وقبولهم أداء الجزية، وهذا التمييز لهم لأجل ما تبقى بأيديهم من الكتاب وإن حرفوه بافتراءاتهم المزورة، وتأويلاتهم الفاسدة، وفي حكمهم المجوس، والصابئون.