جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ١٠٤

والإيمان بقضاء الله وقدره من مقتضيات تعلق النفس بالله وحده، وتوطنها على ما يصيبها من مكاره الدنيا.

من ذلك تجد لجم الغفير من علماء السلف يقولون إن الإيمان ليس محصورا في الاعتقاد وإنما يصدق عليه مع ما يقتضيه من صادق القول وصالح العمل. وهذا القول هو الذي درج عليه أصحابنا ونقله عبد الرازق في مصنفه عن سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وابن جريج ومعمر وغيرهم، ونقله أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم، وروي بإسناد صحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل. وذكر ابن كثير في تفسيره أن الشافعي وأحمد بن حنبل وأبا عبيدة وغير واحد حكموا لإجماع عليه وهذا هو الإيمان المطلوب شرعا، وهو الذي يترتب عليه الفوز بنعيم الآخرة والنجاة من عقابها. وذلك معنى الفلاح في قوله تعالى: ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ ، ولا ينافي ما ذكرنا أنه يقصد بالإيمان تارة الاعتقاد وحده، فإن الاعتقاد هو منشأ العمل كما ذكرت، ومن هنا كان الاقتران بينهما في كثير من الآيات وفيما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم كفاية في الدلالة على حقيقة الإيمان الشرعي المطلوب، من ذلك ما أخرجه الشيخان عن أنس- رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، فإن في هذا الحديث مالا يخفى من كون الانصاف من النفس للغير من جوهر الإيمان وهو يقتضي استقامة التعايش الاجتماعي بين المؤمنين.

٤٨٠ / ١٬٤٤٧