جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ١٣٤وارزق ما يناله الانسان من موجودات هذا العالم التي يسد بها ضروراته، وحاجاته وينال بها ملائمه. وقد زاد ذلك وضوحا قوله من بعد: وأما إطلاقه على ما يتناوله الحيوان من المرعى والماء، فهو على المجاز كما في قوله تعالى: ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾(1) وقوله: ﴿ وجد عندها رزقا ﴾(2) وقوله: : ﴿ لا يأتيكما طعام ترزقانه ﴾(3) .
وإن تعجب فعجب إدراجه الآيتين الأخيرتين فيما مثل له من إطلاق الرزق- مجازا حسب قوله- على غير ما أوتيه الجنس البشري، فإنه الضمير في قوله تعالى: ﴿ وجد عندها رزقا ﴾ عائد إلى مريم- عليها السلام- والخطاب في قوله: ﴿ لا يأتيكما طعام ترزقانه ﴾ إنما هو لصاحبي السجن اللذين دخلاه مع يوسف الصديق- عليه السلام-، والجميع من الجنس البشري.
ونحن لا نسلم لهذه المجازية التي يدعيها في هاتين الآيتين وفيما قبلهما، فإن حمل الألفاظ على المجاز لا يكون إلا مع القرآئن الصارفة لها عن حقائقها. وإذا عرفت أن الغاية من الرزق هي المنفعة أدركت أن الحيوان مرزوق حقيقة لأنه ينتفع برزقه، على أن قوله سبحانه: ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ ،يدخل في عموم مدلوله الإنسان؛ لصدق مفهوم الدابة لغة على كل ما يدب على الأرض، وإذا كان إطلاق الرزق على منافع الانسان حقيقة وعلى منافع الحيوان مجازا، لزم أن يكون لفظه في الآية حقيقة وجازا في آن واحد، وهو مردود عند أهل التحقيق، ويؤكد أن الرزق ليس من إختصاص الإنسان قوله تعالى: ﴿ وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ﴾(4) .
(1) 7 ) سورة هود الآية"6".
(2) 8 ) سورة آل عمران الآية "37".
(3) 9 ) سورة يوسف الآية "37" التنوير والتحرير حـ1 ص234، ص235 الدار التونسية للنشر.
(4) 1 ) سورة العنكبوت الآية "60".