جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٢٣٨

هذا وإذا كان جل المفسرين- من السلف والخلف- يرون أن هذا المرض معنوي، فإن طائفة خالفتهم في رأيهم هذا، حيث من انتشار الاسلام وسرعة أثره في النفوس، واكتساح تياره جميع العقائد الزائغة، والمبادئ الجاهلية الفاسدة، فكانت هذه المشاهدات تعتصر قلوبهم، وتضاعف همومهم، والحسد من شأنه أن يجر الأمراض إلى قلب صاحبه، لأن الحسود لا يقر له قرار، وقد كانوا يظنون بالاسلام أن ظفرة سوف تهدأ، وأن تياره عاصفة سوف تتوقف، وأن سوقه مهددة بالكساد، غير أن هذا الظن قد خاب عندما شاهدوه يحرز الانتصارات المتتابعة، ويلحق بأعدائه الهزائم المتلاحقة، ويغرز أعلام النصر في كل مكان، فكان ذلك منشأ ما ألم بقلوبهم من الآلام.

وبعض المفسرين يرى أن جعل قلوبهم محل المرض من باب التعبير باسم المحل عن الحال، كما قال تعالى: ﴿ واسأل القرية ﴾ ،إذ المرض هو في معتقداتهم التي لابست عقولهم ومازجت قلوبهم، فإنهم كانوا ينطوون على الشرك وإن أبدوا خلافه.

وذكر الامام ابن عاشور في تفسيره ان النفاق منشأ لثلاثة أنواع من أصول الأمراض النفسانية، وكل أصل منها تنشأ عنه مجموعة من الأمراض الفرعية.

أولها: الكذب القولي، والشاهد عليه من القرآن قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ﴾ ، وقوله: ﴿ ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ﴾ ،وينشأ عنه الجهل، وإليه الاشارة بقوله تعالى: ﴿ ولكن لا يعلمون ﴾ ، والغباوة، وإليه الاشارة بقوله ﴿ وما يشعرون ﴾ ، ومن لازم هاتين العلتين قلة الذكاء، لأن الذكي يدرك أنه لو كذب على الناس فإن عقولهم لا تستسيغ كذبه، كما يعلم أن في الناس من هو مثله أو خير منه.

والكذب يعود فكر صاحبه الحقائق المحرفة، وإذا طال استرساله في ذلك اشتبهت عليه ولربما ما اختلقه واقعا.

وينشأ كذلك عن هذين الداءين داء آخر وهو السفه، وهو خلل في الرأي وأفن في العقل، وإليه الاشارة بقوله تعالى ﴿ ألا أنهم هم السفهاء ﴾ .

٦١٤ / ١٬٤٤٧