جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٥

ويتبادر أن أصحاب هذا القول والذي قبله يستندون فيهما إلى ما يوحى به قوله عز وجل: ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ﴾(1) ، ولعل أكثر المفسرين أميل إلى القول الأول، ويعتضد رأيهم بقوله سبحانه: ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾(2) ، وقوله ﴿ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ﴾(3) .

وفي تصدير جوابهم بأداة القصر تأكيد لما يزعمونه من الإصلاح فإنهم أرادوا معاكسة متهميهم بالإفساد بهذا القصر القلبي بحيث يوهمونهم أن الإصلاح متمحض فيهم، وأن شائبة من الافساد لم تحم حولهم، فإن الذين اتهموهم إما أن يريدوا بقولهم لهم " لا تفسدوا في الأرض" لا يكن عملهم إفسادا من غير إصلاح، وإما أن يريدوا به لا تخلطوا بين الصالح والفاسد من الأعمال، فإن الفاسد يؤثر على الصالح فيفقده منفعته، فكان جوابهم يفيد أن أعمالهم كلها مقصورة على الاصلاح، وهو ناتج عن ضلال فكرهم، وفساد فطرهم، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿ ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ﴾ ، لاستئصال ما تشبثوا به من دعوى فارغة بأنهم لم يتعدوا حدود الاصلاح.

وقد صدر هذا الرد بأداة الاستفتاح المفيدة للتأكيد ووليت ذلك " إن" المختصة به، وجيء بالمسند معرفا لإفادة قصره على المسند إليه ووسط بينهما ضمير الفصل المؤكد لهذه الإفادة، ليكون ذلك أبلغ في نقض دعواهم وكبح غرورهم وفضح سرائرهم فظاهر الرد يتميزون بها، وذلك لا ينافي أن يكون في الأرض من لا يحصى عددا من المفسدين غيرهم كالمشركين المجاهرين بشركهم، لأن القصر في الرد هو قصر قلب كما سبق بيانه في تفسير جوابهم وهو من ضروب تأكيد الكلام.

(1) 6 ) سورة النساء الآية "62".

(2) 1 )) سورة فاطر الآية "8".

(3) 2 ) سورة الكهف الآيات "103، 104"

٦٤١ / ١٬٤٤٧