جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٦وهو معنى ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال في معنى ذلك: يسخر بهم للنقمة منهم. ومن قائل: أطلق الاستهزاء على جزائه لما عُرف من إطلاق اسم الشيء على ما يترتب عليه، نحو قوله تعالى: ﴿ وجزاء سيئة مثلها ﴾(1) ، وقوله ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾(2) ،وقوله: ﴿ يخادعون الله وهو خادعهم ﴾(3) وقوله ﴿ ومكروا ومكر الله ﴾(4) ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:" اللهم إن فلانا هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه اللهم والعنة عدد ما هجاني" أي اجزاه جزاء هجائه، وهذا من باب ما يسمى بالمشكلة اللفظية، وهي أسلوب من أساليب كلام العرب كما قال عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا … ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وعزا ابن عطية هذا القول إلى جمهور العلماء.
وأرى أنه لا يختلف عما قبله، فإن إطلاق الاستهزاء على الانتقام لا يعني إلا العقوبة على ما صدر من المنتقم منه من الاستهزاء والاستخفاف.
وذهب آخرون إلى أن إسناد الاستهزاء هنا إلى الله إنما هو من حيث كونه سبحانه يصرف عن عباده المؤمنين ضرر استهزاء خصومهم، وينزله بالمستهزئين، وفي هذا ما يشبه الاستهزاء بهم، فلذلك استعير له اسمه، وقيل: لما كان الاستهزاء من لازمه حقارة المستهزأ به وهوانه، والمنافقون من الحقارة والهوان بمكان، أطلق اسم الملزوم على اللازم على طريقة المجاز الإرسالي، وقيل: إن الاستهزاء هنا عبارة عما شرعه الله من أحكام في الدنيا تجعل المنافقين يطمئنون إلى أنهم لا يختلفون عن الذين آمنوا، مع أنه تعالى أعد لهم في الآخرة عذاب الهون، كما أظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أمرا يبطنون ضده.
(1) 3 ) سورة الشورى الآية "40".
(2) 4 ) سورة البقرة الآية "194".
(3) 5 ) سورة النساء الآية "142"
(4) 6 سورة آل عمران الآية "54".