جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٨ولطف الخطاب هنا بعد شدته هناك- للحكمة التي ذكرتها- لا ينافي اندماج الطائفة الأولى في عموم هذا الخطاب، فإن سلاسة القول كما تتألف النافر، وتقرب البعيد، تزيد الأليف ألفة، والقريب قربا، وتمنحها باعثا نفسيا على إتيان ما يراد منهما من الخير، وتزيد همتهما نشاطا، وفكرتهما اتقادا، ورؤيتهما وضوحا، على أن تلك الطائفة المؤمنة نفسها لا تخلو عادة من تأثر بالوعيد الموجه إلى غيرها، لأن من شأن المؤمن أن يكون شديد الحذر، مشفقا على نفسه من انزلاق قدمه فيكون في عداد أهل الضلال.
وإذا كانت الآيات السابقة تثير الوجل وتبعث القلق في نفس المؤمن بهذا السبب، فإن هذا الخطاب يفيض عليه الأنس والطمأنينة ،فتتعادل في نفسه كفتا الخوف والرجاء.
وهذا الذي قلته هو الذي يقتضيه اللفظ، فإن تعريف جنسي- إذ لا عهد- فيشمل جميع الناس على اختلاف طوائفهم.
ومن المفسرين من يخص هذا الخطاب بطائفتي الكفر والنفاق، وهو الذي رجحه ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما، ومنهم من يرى أنه خاص بالمنافقين وحدهم، وعزي إلى ابن عباس أيضا، ومنهم من يقول إنه خاص بكفار العرب، ومنهم من يقول إنه لليهود وحدهم، والتخصيص بغير مخصص تحكم، ويقوي العموم جواز التأكيد بما يفيد العموم في مثل هذا اللفظ، وجواز الاستثناء، وصدر الخطاب بـ " يا" وهي أصل حروف النداء فيه، ولذلك ينادي بها القريب والبعيد على الراجح، خلافا لمن قال: إنها مخصوصة بالبعيد، وإن نودي بها القريب فلتنزيله منزلة البعيد إما لسهوه وغفلته، وإما لاعتقاد البعد المعنوي بين المنادي والمنادى، ولذلك ينادي بها الله سبحانه وتعالى لأجل تنزيل المنادي نفسه منزلة البعد لضعفه وعجزه وقصوره هضما لنفسه، واعترافا بما هو متلبس به مما يبعد عن مقامات الزلفى ودرجات المقربين.