جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٣٢٩

و "أي" وصلة لنداء ما دخل عليه الألف واللام، ومخاطبة الناس هنا بعد الاخبار عنهم فيما سبق، التفات كالذي تقدم شرحه في قوله تعالى: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ ، والذي يحسنه هنا- بجانب النكتة العامة وهي تطرية الكلام وتجديد نشاط سامعه- أن توصيف كل طائفة من تلك الطوائف الثلاث وبيان أحوالها وجعلها في حكم الحضور، فحسن نداؤها وتعميمها بالخطاب، مع ما ذكرته من أن أنس هذا الخطاب يجدد نشاط الصالح، ويكف من شطط المفسد.

والعبادة سبق تفسيرها في الفاتحة، واختيار لفظة الرب دون سائر أسمائه تعالى، لما في مدلوله من معنى التربية بمختلف الآلاء الظاهرة والباطنة، وفي هذا حفز للمسارعة إلى ما أمر به من العبادة، لأن الخطاب صادر من الرب والعبادة المأمور بها له، وفيه نوع تعليل للأمر؛ لأن من القواعد المعروفة أن الحكم على المشتق يؤذن بعليته، ويقوي ذلك ما ولي اسم الموصول من ذكر الخلق وما بعده، وهذا لا ينافي أن يكون الله تعالى حقيقا بالعبادة وجديرا بالطاعة المطلقة بنفس علو ذاته وكمال صفاته، مع قطع النظر عما أفاضه على عباده من صنوف النعم؛ أهمها إخراجهم من العدم إلى الوجود الذي ترتبت عليه بقية الآلاء، إذ لا مانع أن يرعى في العبادة الكمال الذاتي للمعبود، وما صدر عنه من فيض هباته للعابدين بل هذا هو المطلوب.

والخلق أصله التقدير والتهيئة يقال خلق الأديم إذا هيأه للقطع وخلق الأمر إذا قدره، ومنه قول الشاعر:

ولنت تفري ما خلقت وبعـ … ... ض الناس يخلق ثم لا يفري

٧٠٥ / ١٬٤٤٧