جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٣٠يعني أن الممدوح يتبع التقدير العمل بخلاف بعض الناس، وإذا نسب الخلق إلى الله سبحانه فهو بمعنى الانشاء والاختراع على غير سبق مثال، وأقرب ذلك أن يقال: هو الاخراج من العدم إلى الوجود وبهذا المعنى فهو من اختصاص الله سبحانه وتعالى فلا يصح إسناده إلى غيره، فلا يوصف مخلوقة بالخالقية وأما ما جاء في سورة آل عمران من قوله حكاية عن عيسى عليه السلام: ﴿ أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ﴾(1) ، ومثله ما في سورة المائدة- فهو محمول على مطلق الصنع، ولم يرد به اختراع على غير سبق مثال، وكان ذلك من قبل تخصيصه في العرف الاسلامي بالله عز وجل، ونحوه قوله تعالى: ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾(2) ،ولا مسوغ لقول أبي عبدالله البصري المعتزلي إن إطلاق الخالق على الله محال لمصادمته وصف الله نفسه بالخالقية في نحو قوله: ﴿ هو الله الخالق البارئ ﴾(3) ، وإن علل رأيه بأن التقدير يستدعي الفكر والحسبان؛ إذ لا قيمة للنظر مع ورود النص، على أن قياس الغائب على الشاهد لا يصح فالله سبحانه يخلق ويقدر بدون احتياج إلى ما يحتاج إليه المخلوقون من الوسائل.
وبما أن أقرب شيء إلى الانسان نفسه ذكر المخاطبون أولا بخلق أنفسهم، ثم أتبع ذلك تذكيرهم بخلق أصولهم التي ترتب وجودهم على وجودها، ومن المعلوم أن من لم تجده الموعظة من نفسه لم تجده من غيره، والخلق هو أصل النعم جميعا، وكما أن خلق الانسان نفسه نعمة جُلىَّ فخلق أصوله يعد من كبريات النعم لترتب وجوده على وجودها كما تقدم.