جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٤٥واستدل الفخر الرازي- بما جاء في هاتين الآيتين من الاستدلال على وجود الله وعظمته وعلو شأنه وانفراده باستحقاق العبادة بأنواع مخلوقاته- على صحة المنهج الكلامي وأسلوب علماء الكلام، وأطال في الاستدلال لرأيه هذا، وساق له العديد من الأمثلة في القرآن، وشنع على الذين ينكرون على علماء الكلام هذا المسلك، وبين شبههم التي يتعلقون بها، وأطال في تفنيدها ودحضها شبهة شبهة، والقول الفصل في هذا أن علم الكلام إن سلك مسلك القرآن في إثبات المعتقدات الصحيحة بدلائل الفطرة والبيئة فذلك مسلك سليم وطريقة ناجحة، وإنما يعاب على المتكلمين اتباعهم أسلوب فلاسفة اليونان القدامى، وحشر مصطلحاتهم في البحث والجدل وهي طريقة عقيمة ليست من ورائها فائدة إلا كثر الكلام، وما لنا وللجدل الإغريقي وقد أغنانا الله بكتابه الكريم الذي يخاطب الانسان بمنطق الفطرة، ويقيم عليه الحجة مما انطوت عليه نفسه،واشتمل عليه خلقه من آيات الله، ويفتح عينيه ليتأمل الآيات الكبرى في فسيح الكون من حوله، ويبين له بدلائله الصادقة وبراهينه الصاعقة أن الله سبحانه ميزه عن سائر المخلوقات بما اختصه به من المواهب وبخلق الأرض وما فيها له، وتسخير منافع الكون لأجله حتى صار القطب الذي تدور عليه رحى هذا الوجود.
ولعمري إن هذه الطريقة هي أنجح طريقة في إيقاظ الفطرة من سباتها، وتنبيهها من غفلتها، وكانت هي الوسيلة لاقناع الناس بهذا الدين، من غير تعمق في الجدل ولا غلو في البحث، بخلاف المنطق الإغريقي الذي لا يمت بصلة إلى الفطرة الانسانية، ولو قدرنا أنه صالح للإقناع في عصر ما فإنه لا يصلح لأغلب العصور، ومما يؤسف له أن ينساق علماء الكلام وراء هذا المنطق ويحشروا جل مؤلفاتهم أو كلها بجدلياته العقيمة حتى خرجوا بعلم الكلام إلى متاهات شتى، فلم يكن قاصرا على تنزيه الله سبحانه بل أصبح أشبه بالعلوم الفلسفية منه بالعلوم الشرعية.