جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١١٠هذا وإني لأعجب ممن يقول إن إبليس لم يتسلط على آدم إلا من طريق حواء مع أن القرآن صريح بأنه – لعنة الله- كان خطابه لآدم فقد قال تعالى : ( قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا منها )(طه : 120-121) ، فإن ذلك واضح في أن أكلهما ناشىء عن هذا الخطاب الموجه إلى آدم ، وهو لا ينافي أن يكون خاطبهما معا كما يدل عليه قوله سبحانه : ( وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) ( الأعراف : 20 ) وإنما حكى الله تارة خطابه لهما معا ، وتارة خطابه لآدم وحده لأن حواء تبع له كما سبق .
هذا وقد بين الله لهما عاقبة مخالفتهما أمره بقربهما من تلك الشجرة التي نهيا عنها حيث قال لهما : ( فتكونا من الظالمين ) وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، ومنه استحسان ما ليس بمستحسن ، وقد استحسنا الأكل من تلك الشجرة بتزيين إبليس لهما ذلك مع ما فيه مخالفة أمر الله .
وإطلاق الظلم على فعلهما لا يستلزم أن يكون من الكبائر لمنافاة ذلك عصمة النبوة ، وللعلم بأنهما لم يأتيا ما أتياه لأجل الوقوع في مخالفة أمره سبحانه وتعالى ، وإنما كان ذلك إما نسيانا وإما خطأ كما سيأتي قريبا إن شاء الله ، وليس تهويل هذه المخالفة إلا لعلو قدرهما وعظم شأنهما ، وما أحسن قول من قال : (( حسنات الأبرار سيئات المقربين )) ، ومن هذا الباب مضاعفة الوعيد بالعذاب لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن في قوله تعالى ؛ ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ) ( الأحزاب : 30 ) مع قوله : ( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ) ( الأحزاب : 32 ) ، فلا غرابة في إطلاق اسم الظلم على صنيع صفي الله آدم عليه السلام وإن كان بالنسبة إلى غيره صغيرا .
( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ....فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم
(