جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١١١فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ) ( الآيتان 36 ، 37 البقرة ) .
يحكي الله لنا في هاتين الآيتين وما بعدهما قصة مرحلة انتقالية مر بها أبو البشر عليه السلام وقد كابد منها المشقة وتجرع الغصص ، وعانى عنتها ولا تزال ذريته تعاني من هذا العنت ، ومرد ذلك كله إلى الخروج عن حدود أمر الله بتزيين الشيطان ، وقد نتج عن ذلك انتقاله من مقر الطمأنينة والراحة إلى محل الاضطراب والتعب،و لأن كان عليه السلام استقبل الحياة على هذه الأرض التي هي مقر خلافته بهذه المحنة القاسية والملمة الفادحة ، فإن لنا في ذلك دليلا وأي دليل على أن حياتنا على الأرض ليست حياة نعيم وهناء وراحة واستقرار ، وإنما هي حياة مصائب ومتاعب ، وجهد وبلاء ، والشواهد على ذلك قائمة من طبيعة الحياة نفسها ، فهي لا تكاد تحلو حتى تمر ، ولا تزهر حتى تذبل ، ولا تقبل حتى تدبر ، ولا تمنح حتى تسلب .
ومن أحسن وأبلغ وأصدق ما وُصفت به الدنيا قول شاعر كان غارقا في حب الدنيا إلى الأذقان ولم يدع بابا من أبواب اللهو والمجون والخلاعة إلا طرقه وولجه وهو أبو نواس شاعر البلاط العباسي الماجن في عهد هارون الملقب بالرشيد فقد قال في وصف الدنيا :
الشيطان عدو ماكر