جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١٣١ذهنه نتيجة العراك بين نزعتي التجديد والتقليد ، وقد بدأ أولا بتقرير المراد مما تقدم في هذه القصة على هذا المذهب الذي اختاره فقال : (( إن إخبار الملائكة يجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العلم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض ، وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره ، ويعطي استعدادا في العلم والعمل لا حد لهما ، وهو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك ، وتمهيد لبيانه أنه لا ينافي خلافته في الأرض ، وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في هذه الأرض واندفاعه في استعمارها، وعرض الأسماء على الملائكة ، وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودا لا يتعدى وظيفته ، وسجود الملائكة لآدم ، عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ينتفع بها في ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك ، وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثال التنازع والتخاصم والتعدي والإفساد في الأرض ، ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم ، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري… )) (1) .
وقد بني على ذلك منهجه في تفسير ما هنا فقال : (( وأما التمثيل فيما نحن فيه منها – أي القصة - فيصح
عليه أن يراد بالجنة الراحة والنعيم ، فإن من شأن الإنسان أن يجد في الجنة التي هي الحديقة ذات الشجر الملتف ما يلذ له من مرئي ومأكول ومشروب ومشموم في ظل ظليل وهواء عليل ، وماء سلسبيل كما قال تعالى في القصة من سورة طه : (( إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى – وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى )) ( الآية 118 )