جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١٥٢الترهيب تارة ، وعلى التذكير أخرى ليكون ذلك أدعى إلى ارعوائهم وأرجى في إصلاح نفوسهم الفاسدة ، وعلاج أدوائهم المتأصلة غير أن أمراضهم كانت أعصى على العلاج ، وأبلغ من الدواء ، فلم يؤمن منهم إلا قلة قليلة قدروا على مغالبة طبائعهم ، ومقاومة نفوسهم ، فكانوا للحق حجة للإسلام قوة ، وهم عبدالله بن سلام رضي الله عنه ، ومن نهج نهجه .
وأما سائرهم فقد شرقوا عندما ظهر هذا النبي من ولد إسماعيل عليه السلام ولم يكن من ولد إسحاق ،
وهم كانوا يطمعون أن لا تخرج النبوة عنهم لما يرونه لأنفسهم من المزايا فأدى ذلك إلى تكذيبهم بما كانوا
يرددونه من قبل من بشائر إظلال زمنه ودنو إشراق صبحه ، وإلى تأويل نصوص التبشير به في أسفارهم من
توراة وغيرها ، رغم أن صفاته فيها واضحة جلية لا يماري فيها لبيب .
التناسب بين آيات القرآن وسوره
وقد يعرض هنا تساؤل عن وجود مناسبة رابطة بين ما تقدم من قصة آدم ، وهذا الخطاب الموجه إلى بني
إسرائيل .
وجوابه أن العلماء مختلفون في وجود التناسب بين آيات القرآن وسوره ، وفي أجداء البحث عن ذلك ،
لأن القرآن نزل في ظروف مختلفة ، ولأغراض شتى في أزمنة متطاولة ، فقد نزل في ظرف ثلاث وعشرين سنة ، منه ما نزل في السلم ، ومنه ما نزل في الحرب ، ومنه ما نزل في الحضر ومنه ما نزل في السفر ، ومنه ما نزل في حال ضعف المسلمين ، ومنه ما نزل بعد قوتهم ، ومنه ما كان أمرا ونهيا ، ومنه ما جاء تبشيرا وإنذارا، ومنه ما هو ناسخ ، ومنه ما هو تقرير ، ومنها ما هو قصص وأخبار ، إلى غيرها من الأغراض التي نزل لأجلها ، ولم يراع في ترتيب سوره وآياته ترتب نزوله ، ولا ترتب هذه الأغراض ، فرأت طائفة تعذر وجود التناسب مع ذلك ، وعدوا طلبه من باب طلب المناسبة بين الضب والنون ، والماء والنار ، والملاح والحادي ، ومن أصحاب هذا الرأي الإمام الشوكاني في فتح القدير .