جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١٥٣وقد بالغ في الإنكار على القائلين بالتناسب بين آيات القرآن جميعها حتى عد ذلك فتحا لأبواب الشك ، وتوسيعا لدائرة الريب على من في قلبه مرض أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور، وعلل ذلك بأن هذا الجاهل إذ وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن ، ويفردون ذلك بالتصنيف تقرر عنده أن هذا أمر لا بد منه وأن القرآن لا يكون بليغا معجزا إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة ، وتبين الأمر الموجب للارتباط ، فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك فوجده تكلفا محضا، وتعسفا بينا انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة ، وعد الشوكاني الاشتغال بأمثال هذه البحوث تضييعا للأوقات ، وإنفاقا للساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله ، ولا على من يقف عليه من الناس ، وجعل مثله مثل الذي يُعنى بكلام بليغ من البلغاء فيحاول إيجاد التناسب بين خطبه التي ألقاها في مقامات مختلفة ، ولأغراض متباينة ، ورسائله التي أنشأها لأسباب شتى ، أو إلى شعر شاعر فيجتهد في البحث عن المناسبة بين قصائده التي تكون تارة مدحا ، وتارة هجاء ، وحينا نسيبا ، وحينا رثاء ، وإذا كان طالب ذلك في كلام البشر يعد راكبا
للأحموقة فأجدر من طلبه في كلام الله أنزله بلسان عربي مبين، لم يخرج به عن مسالكهم، ولم يتجاوز أساليبهم(1) .
وذهب آخرون إلى القول بالتناسب ، وقد عُنوا عناية فائقة ببحثه حتى أن منهم من أفرد هذا الموضوع
بالتأليف كالعلامة برهان الدين البقاعي الذي ألف في ذلك كتابا سماه (( نظم الدرر في تناسب الآي والسور ))
وقد سلك هذا المسلك غير واحد من المحققين ، منهم الإمام ابن العربي الذي ذكر أنه عُني بشرح التناسب بين