جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ١٥٧

بلاغة القرآن وخصائصه المدهشة التي لم تسبق لبليغ ، ولن يبلغ شأوه فيها بليغ ، وخلاصة القول أنه تعالى ذكر الكتاب ووصفه أنه لا ريب فيه ، ثم ذكر اختلاف الناس فيه ، فابتدأ بالمستعدين للإيمان ، المنتظرين للهدى الذي يضيء نوره منه ، وثنى بالمؤمنين ، وثلث بالكافرين ، وقفى عليهم بالمنافقين ، ثم ضرب الأمثال لهذا الصنف الأخير ، ثم طالب الناس كلهم بعبادته ، ثم أقام البرهان على كون الكتاب منزلا من عند الله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ، وتحدى المرتابين بما أعجزهم ، ثم حذر وأنذر ، وبشر ووعد ، ثم ذكر المثل والقدوة وهو الرسول (1) ، وذكر اختلاف الناس فيه كما ذكر اختلافهم في الكتاب ، ثم حاج الكافرين ، وجاءهم بأنصع البراهين وهو إحياؤهم مرتين ، وإماتتهم مرتين وخلق السماوات والأرض بمنافعهن ، ثم ذكر خلق الإنسان وبين أطواره ، ثم طفق يخاطب الأمم والشعوب الموجودة في البلاد التي ظهرت فيها النبوة تفصيلا ، فبدأ في هذه الآيات بذكر اليهود للمزايا التي كانوا مختصين بها ، والكلام لم يخرج بهذا التنويع عن انتظامه في سلكه وحسن اتساقه في سبكه ، فهو دائر على قطب واحد في فلكه ، وهو الكتاب ، والمرسل به ، وحاله مع المرسل إليهم(1).

وفي خطابهم ببني إسرائيل – مع إمكان خطابهم بغيره من الأسماء والألقاب – ما علمتم من بعث عزائم الخير في نفوسهم لو كانوا لذلك أهلا لأن من شأن الإنسان الرغبة في أن يحذو حذو أبيه فيما كان عليه من مجد وخير،ففي مواطن القتال يُثار حماس المقاتلين بتذكيرهم ببطولات آبائهم الماضين ، وفي مقام البذل والعطاء يذكر أصحاب الكرم بأيادي آبائهم الأسخياء فينادون منسوبين إليهم ، وهكذا في مقام الدعوة إلى الخير والنداء إلى البر يحسن تذكير الخلاف بالأسلاف ، ومن وسيلة ذلك نسبتهم إليهم في ندائهم .

والمراد بالنعمة التي أنعم الله بها عليهم جنس النعم ، فتدخل فيها أصناف الأيادي التي بسطها الله لهم،

٩٧٦ / ١٬٤٤٧