جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ١٦٢المطالبة ، فإن مما تقرر عند أكثر الأصوليين أن الأمر المطلق لا يدل على الفور لا على التراخي ، وقد يتعلل إذا ما أمر بأمر لم يقيد بالفورية ولا بزمن معين بأنه سيأتي بالمأمور به ولو بعد حين ، فاستؤصلت شبهة الاعتذار عندهم بالنص على نهيهم عن ضد ما أمروا به ، والنهي يقتضي الفورية ، وعموم الأزمان والأحوال إذ لو أتى المنهى في أي وقت بما نهى عنه لعد ذلك خروجا عن طاعة الناهي وتحديا له ، ويبحث هنا في أمرين :
أولهما : أنهم نُهوا أن يكونوا أول كافر به ولم يُنهوا عن مطلق الكفر به ، وقد يُظن من ذلك أنهم إذا كانوا مسبوقين بالكفر من قيل غيرهم فهم فيهم معذورون .
ثانيهما : أنهم لم يكونوا أول كافر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فقد سبقهم إلى ذلك كفار العرب من قريش وغيرهم .
وأجيب عنهما بالعديد من الأجوبة ، منها : أن المراد بقوله : ( ولا تكونوا أول كافر به ) تأكيد حثهم على السبق إلى الإيمان فإن الإيمان والكفر نقيضان ، فإذا لم يكونوا كافرين كانوا مؤمنين ، وقد دلت قرائن السياق على أن مطلق الكفر قبيح ولا يصح إقراره خصوصا عند من توفرت لديه دواعي الإيمان كبني إسرائيل ، الذين أوتوا نصيبا من الكتاب وكانوا يعرفون نعوت النبي الموعود به ويتطلعون إلى بعثته بكل لهفة وشوق ، فهم أحق - لما اختصوا به – أن يكونوا سابقين إلى الإيمان به فور ما يصل إليهم علمه ، وهذا من باب ما يسمى بالكناية التلويحية ، وذلك لانطواء التركيب على غرضين ، النهي عن الكفر والدعوة إلى الإيمان ، إذ الجملة المعطوفة مقررة لمضمون الجملة المعطوفة عليها وهو طلب الإيمان بجانب مدلولها الصريح وهو النهي عن الكفر .
ومنها أنه يراد به التعريض بكفار قريش وغيرهم ممن بادر الدعوة بالتكذيب ، ومعنى ذلك نهيهم أن يكونوا
في عدادهم ، وسوغ ابن عاشور أن يكون هذا هو مراد الزمخشري في تسويغه كون المعنى (( ولا تكونوا مثل أول كافر به )) .