نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ١٦٤

بعد النّهي عن إرث النّساء كرهاً، وإذ كان من عادة الجاهليين أن يتزوجوا بأزواج آبائهم إذا لم يكنّ أمّهات لهم، فكان من المناسب أن يبدأ الله بالنّهي عن ذلك في بيان ما يحرم نكاحه من النّساء فقال تعالى: (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ الاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ’ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً).

العطف في الآية جاء على جملة: (لاَ يَحِلُّ لَكُمُ (أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهاً) نظرا لشدة العلاقة بينهما، إذ أن مثل هذا الزّواج كان من مظاهر الظّلم والاحتقار للنّساء في الجاهلية، إذ يصبح ابن الميّت أولى بزوجة أبيه إذا لم تكن أمّه فهو يتزوجها أو يزوّجها غيره، وهي لا تملك أن ترفض ذلك. فنهى الله عن ذلك بصيغة المضارع: (لاَ تَنكِحُواْ) ليفيد النّهي عن الاستمرار على نكاحهن إذا كان قد حصل قبل ورود النّهي، وقد ذمّه الله وقبّحه بثلاثة أوصاف:

أ) - (إِنَّهُ’ كَانَ فَاحِشَةً): أي أمرا شديد القبح في نظر العقل وفي ذوق الفطرة السّليمة.

ب) - (وَمَقْتاً): وهو البغض الشّديد الذي يبعث على احتقار الشّيء الممقوت والاشمئزاز منه.

ج) - (وَسَآءَ سَبِيلاً): أي هو مسلك سيئ مذموم من يسلكه إذ يؤدّي إلى فقدان المروءة والقدر. وقال الإمام الرّازي: "مراتب القبح ثلاث: القبح العقلي، والقبح الشّرعي، والقبح العادي".

قلت: وقد ذمّ الله هذا النّوع من النّكاح بأشنع مما ذمّ به الزّنا في سورة الإسراء إذ قال تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ’ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً) (الإسراء:32)، وذلك لأن الزّنا هو نكاح غير شرعي وهو يزداد قبحا وذمّا إذا تمّ مع ذات محرم، أو مع من تستحق منك الوفاء والاحترام كزوجة الأخ وزوجة الجار.

ولفظ: (ءَابَآؤُكُمْ) يشمل الأجداد إجماعا.

١٬٠٢٧ / ٦٬٢٠١