نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٣ · صفحة ١إذا كان الإنسان يموت في موعده المضروب فلينظر إلى الغاية التي يستشرفها من حياته، وفيم تتعلق إرادته، لأن فسحة العمر واحدة في تسخيرها للخير أو الشرّ، والله يعطي كلاّ على حسب إرادته ونيته، ولكن شتّان ما بين إرادة وإرادة، ولكل منهما وسائلها وأسبابها، وبالتّالي لكل منهما نتائجها في حياة الإنسان، فإرادة الإنسان ثواب الدّنيا وحدها تعني انسلاخه من كل القيم والمثل الرّوحية التي تتمّ بها كرامة الإنسان فيعيش عيشة الدّوابّ والهوامّ المنحطة وماله في الآخرة من نصيب، كما أن إرادة الإنسان ثواب الآخرة لا تعني التّقشف والزّهد وتعذيب الجسد طلبا لكمال الرّوح، كما تدّعيه بعض الفلسفات الزّائغة، بل هو التّوازن الجسدي والرّوحيّ في حياة المؤمن، وذلك بأن يجعل الدّنيا مطية للآخرة، وقد أرشدنا الله أن نطلبه خيري الدّنيا والآخرة، في قوله: (رَبَّنآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة:201).
وفي الآية تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم "أحد" فتركوا مواقعهم التي أمرهم الرّسول بلزومها في كل حالة وتكرار جملة الشّرط: "مَنْ يُّرِدْ" في كلتا الحالتين تفيد على أن عطاء الله وتفضيله لبعض النّاس لا يكون جزافا، بل إرادة الله تجري على السّنن التي اقتضتها حكمته، كما أن لإرادة الإنسان دخلا في تلك السّنن والمقادير.
ونستخلص من هذه الآيات الإرشادات التّالية ما يلي:
أ) - لا ينبغي أن يكون استمرار الحرب أو عدم استمرارها ذا صلة بوجود القائد بحيث ينهزم الجيش إذا قتل، وكذلك الأمر في حال السّلم، بل يجب أن تكون المصالح العامّة جارية على نظام ثابت لا يزلزله فقد الرّؤساء أو تغييرهم.
ب) - يجب على الأمة أن تعدّ لكل أمر عدته، فتوجد لكل عمل وكل قطاع في نظامها الدّاخلي أو الخارجيّ رجالا صلحاء أكفاء، يتنافسون في
الرِّبِّيُّون هم نموذج التّضحية والجهاد في سبيل الله