نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٢٧٣

قلت: إنّ سيّد لم يبرز وجه الاتّصال بين هذه الآية وما سبقها بكلام صريح، ويبدو من حديثه قبل هذا النّص أنه يعتبر السّياق متصلا بما سبق من مواقف الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطّاغوت. وعلى قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب ينتفي هذا الإشكال إذ لا ينحصر حكم الآية في الذين تنزلت في شأنهم في حياة الرّسول، بل تعمّ كل من يكونون على شاكلتهم بعد وفاته، فإن زال رسمه عليه السلام فدينه باق مدى الأيام وتراثه محفوظ للأنام، وقد رويت أحاديث كثيرة أن رسول الله بعد نزول هذه الآية قد أشار إلى ذلك القليل متمثلا في بعض أصحابه كابن أمّ عبد وعبد الله ابن رواحه وقال في شأن أصحابه -وهو العارف بهم-: … "إنّ من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرّواسي".(1)

(وَلَوَ اَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً): لاشك أن الذي يوعظون به هو ما كانوا يتلقونه من إرشاد رسول الله وكلامه البليغ بما فيه من التّحذير والتّرفيق كما أمره الله في قوله: (وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) (النساء:63). ثم بيّن الله تعالى أن الإتيان بالموعوظ به فيه خير وتثبيت. واختلف المفسّرون في المقصود بالخير والتّثبيت الشّديد، أيعني أجر الدّنيا المتمثل في انتظام شؤون معاشهم وعزة شوكتهم لثباتهم أمام أعدائهم في الدّفاع عن بيضتهم؟ أم يشمل هذا الخير الجزاء الأخرويّ والثّبات على الإيمان الصّحيح الذي هو حبل النّجاة يوم الخوف والفزع؟، والمعنى الأول أرجح لأن الجزاء الأخروي مذكور في الآية اللاحقة.

(1) 2 - أنظر الروايات في ذلك: الطبري، جامع البيان، 5/ 161؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، … 1/ 523.

١٬١٣٦ / ٦٬٢٠١