نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٣٤٣

وقد عرف المجتمع المدني هذه المواقف، وابتلي بهذا النّوع من النّاس الذين لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث، ولا هم يدركون مهامّ القيادة الرّصينة وكيف يجب الولاء لها والرّكون إلى مقرراتها في ثقة واطمئنان، ومن ثمّ لا يأبهون بما ينجرّ عن فلتات اللّسان من العواقب الوخيمة لا على قائلها فحسب، ولكن لعموم جماعته، سيما إذا كان الأمر يتعلق بالأمن أو الخوف، لأن الجماعة في كلتا الحالتين لها مواقف محدّدة وتراتيب خاصّة لنظام حياتها تقتضي السّرّية والحذر، فلا يمكن أن يترك أمرها إلى الدّهماء تخبّ فيها وتضع، فتفسد على القيادة خططها في التّنظيم الدّاخليّ أو الخارجيّ. وفي ذلك من المضرّة والمفسدة ما يستحق مثل هذا التّوبيخ واللّوم الذي يُستشفّ من أسلوب هذا النّص، لأن مذيع الخبر لو لم يجد آذانا صاغية وألسنة ناقلة لذلك الخبر، لقلّ الخطر وانحصر أمره في إطار ضيق، هذا إذا كان لتلك الإشاعة مستند من الواقع، فكيف بها إذا اختلقت كذبا وافتراء قصد التّشويش والتّضليل، فما هو علاج هذه الوضعية؟.

(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الاَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ’ مِنْهُمْ):

يتمثل العلاج في إسناد الأمور إلى أهلها، ومَن غير رسول الله إماماً وقائدًا للمسلمين في عهد النّبوءة؟، فإرجاع الأمور إليه -زيادة على أنه واجب ديني يثاب عليه- فهو أيضا واجب مدنّي تقتضيه أوضاع المجتمع المتحضّر، وتستلزمه أنظمة الدولة النّاشئة. وهكذا يتدرّج الإرشاد القرآني الحكيم في ترويض النّفوس الأَنُوفة وتليين الطّباع الشّموسة لتألف الانقياد والنّظام فلا تشتغل إلا بما يعنيها من شؤونها الخاصّة، وتترك المهامّ الكبرى في سياسة الدّولة إلى ذويها من أهل الحلّ والعقد.

١٬٢٠٦ / ٦٬٢٠١