نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٣٦٦ولعلّ من اللّطائف البلاغية -والله أعلم- في نظم الكلام عند ذكر الدّية والكفارة معكوسة التّرتيب بين المعاهدين وأهل الإسلام هو أن حق الله عند المؤمنين مقدّم على حق النّاس يقول تعالى: (وَالذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للهِ) (البقرة:165). فحبّ الله ومراعاة حقه مقدّم على حبّ المال والولد، بينما المعاهدون ليسوا مذعنين لهداية الإسلام، ويكون حرصهم على المنافع الدّنيوية أشدّ وأقوى، وفي الوفاء المسلمين بحقهم إغراء وتحريض لهم على اعتناق الإسلام، أو مهادنته على الأقل.
وبما أن تحرير الرّقاب المؤمنة قد يتعذّر أحيانا، إما لعدم وجودها، وإما لفقدان الإمكانية المادية لشرائها كما يدلّ على ذلك حذف مفعول فعل: (يَجِدْ) فقد أوجب الله على القاتل صيام شهرين متتابعين، أي لا يفصل بين يومين من أيامهما إفطار في النّهار بغير عذر شرعيّ، فإن حدث ذلك يجب عليه أن يستأنف الصّيام، ويعتبر ما صامه قبل ذلك لاغيا كأن لم يكن. وهل يؤول غير المستطيع للصوم إلى إطعام ستين مسكينا قياسا على كفارة الظّهار أو إن الصّوم يسقط عنه؟. خلاف بين الأئمة.
ثم قال تعالى: (تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) أي شرع الله لكم ذلك توبة منه عليكم، والتّوبة من الله على عبده تأتي بمعنى القبول لا بمعنى النّدم، ومناط القبول من الله لعبده هو في إخلاص العبادة لله، ويتجلى الإخلاص في عبادة الصّوم أكثر من غيرها لقوله تعالى في الحديث القدسيّ: "إلا الصّوم فإنه لي وأنا أجزي به".(1) ويُستَروَح من هذا التّعقيب في ذكر أحكام قتل الخطأ حجم المسؤولية لدى القاتل الخطأ لتفريطه في الحذر والحيطة، حتى لا يستهين النّاس بالأرواج البشرية، وذلك من علم الله وحكمته في ما يصلح بنا، والله أعلم.
ه) - د) -النّظم العصرية في الدّية
(1) 1 - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شتم، حديث 1805، 2/ 673.