نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ١٢٤(وَأَقِيمُوا الصَّلَواةَ وَءَاتُوا الزَّكَواةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ): إقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة مع بقيّة أركان الإسلام هي ملاك العمل الصّالح الذي لا يتمّ الإيمان إلاّ به، فبعد دعوة بني إسرائيل إلى الإيمان بعقيدة الإسلام دعاهم إلى بعض أحكام شريعته، ممّا أمر الله به في جميع الدّيانات السّابقة كما أخبر بذلك ممّا أوحى به إلى رسله، فقال جلّ من قائل: (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءَ الزَّكَاةِ وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء:73)، فالصّلاة والزّكاة عبادتان قديمتان تختلف أشكالهما من شريعة إلى أخرى ولكن روحهما واحد، وهو الإخلاص والخشوع في التوجّه إلى الله عند أدائهما، وهو ما يعنيه التّعبير بـ (أَقِيمُوا الصَّلَواةَ وَءَاتُوا الزَّكَواةَ)، فلم يقل مثلاً: صلّوا أو زكّوا، ذلك لأنّ اليهود وأشياعهم من المنافقين قد يأتون بالصّورة السّطحيّة لمثل تلك العبادات، ولكنّها خالية من الرّوح المطلوبة والتي هي مناط القبول عند الله، كما قال تعالى في شأن المنافقين: (وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَواةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلاً) (النساء:142)، فإذا كانت الصّلاة هي الصّلة الوثقى بين العبد وربّه، وهي مخّ العبادة كما قيل في الدّعاء لله، فإنّ الزّكاة هي المحكّ الممحّص للإيمان اليقيني الكامل، ذلك لأنّ شهوة المال قد تطغى على الإنسان فتُنسيه حتّى حقّ نفسه أحيانا في سبيل كسبه والحرص عليه بله حقّ الله وحقّ عباد الله، ولذلك غالباً ما يرد الأمر في القرآن بإقام الصّلاة مقروناً بإيتاء الزّكاة والرّكوع- وهو جزء من الصّلاة وركن من أركانها عند المسلمين- خصّ الله الأمر به بعد الأمر بعموم الصّلاة للإيماء إلى شعائر الإسلام المفروضة حتّى يأتي بها هؤلاء على الصّورة المشروعة المطلوبة درءا لما قد يتدرّع به اليهود