نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٤٠٦

(وَمَنْ يَّكْسِبِ اِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ’ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً): يدلّ فعل يكسب على التّعمّد في ارتكاب الإثم ظنا من فاعله أنه بذلك قد حقق نفعا لنفسه أو ذويه، كما توهّم ذلك أصحاب هذه القصة، ولكنهم في واقع الأمر يبوءون بخسران مبين، إذ أن عواقب الإثم عند الله أولا وعند النّاس ثانيا سوف يجنون منها وبال أمرهم عارا في الدّنيا وخزيا في الأخرى والعرب تقول: "حبل الكذب قصير". ويقول زهير بن أبي سلمى:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على النّاس تعلم

قال تعالى: (وَمَنْ يَّكْسِبْ خَطِيئَةً اَوِ اِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً): وأقبح من الذّنب المرتكب صغيرا كان أو كبيرا أن يحاول صاحبه تبرئة نفسه بإلقاء ذلك على غيره زاعما أنه هو الذي كسبه، وغالبا ما يحدث ذلك من قبل النّاس الكبراء، إذ يستغلون ضعف مَن دونهم في الوجاهة والمال، يلصقون بهم مثل هذه التّهم وهم منها برآء. وهذا الضّرب من المعاملة يعتبر في حدّ ذاته جرما عظيما، بمثابة الحمل الثّقيل الذي ينوء بحامله ولا يمكن إخفاؤه لشدة ظهوره. ولا يجترئ بمثل هذه المواقف المخزية إلا ضعاف الإيمان ممن لا يراقبون الله في تصرفاتهم. مما دعا صاحب المنار إلى التّعليق على هذه الحادثة بقوله: "فالحادثة التي نزلت فيها هذه الآيات في إثر وقوعها كانت فذة في بابها، وما زال المفسرون يحزمون بأن المسلمين الذين سرق أو خان بعضهم، ونصره آخرون وبهتوا اليهودي برميه بجرمه وهو بريء، لم يكونوا مسلمين إلا في الظّاهر، وإنما هم منافقون في الباطن، لأن مثل هذا الإثم المبين والبهتان العظيم لا يكون من المؤمنين الصّادقين".(1)

(1) 1 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 5/ 401.

١٬٢٦٩ / ٦٬٢٠١