نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٤٥٨

على ذكر المتردّدين بين الإيمان والكفر وترتيب الجزاء لهم وفق الخاتمة التي يموتون عليها، ذكرَ الله في هذه الآيات طائفة أخرى تبطن الكفر وتظهر الإيمان، وقد وصفهم القرآن بالمنافقين، فاختير لذكر جزائهم فعل: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ)، والبشارة هي الإخبار بما يفرح فجيء بها على أسلوب التّهكم، ملاءمة لعمل المنافقين الذي هو ضرب من التّهكّم بمقدّرات الإسلام وأهله. فقال تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً، الذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُومِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعاً):

الخطاب للرّسول -وهو البشير النّذير بأمر الله- بمعنى أنذر يا محمد المنافقين بما ينتظرهم من العذاب الأليم في نار جهنم. ومن الصّفات الذّميمة لهؤلاء أنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، والمراد بالكافرين إمّا مشركو مكة أو أحبار اليهود، ويفعلون ذلك التماسا للعزّة عندهم، إذ أن هؤلاء المنافقين أخذتهم البلبلة والحيرة، وهم يتوقعون أن جانب المؤمنين مهزوز، فهم يوالونهم طلبا للعزة عندهم، وما يدرون أن الغلبة والعزّة لله في الدّنيا والآخرة يهبها لمن يشاء من عباده، وهي رهينة بالتّقوى والإيمان وعد بها أولياءه فقال تعالى: (وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُومِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) (المنافقون: 8).

ومثل هذا الموقف من المنافقين يدلّ على ضعف الشّخصية، إذ يعتمدون على غيرهم في طلب الحماية والرّعاية والاعتزاز، ممّا يقتضي الذّلة والهوان وجرّ إلى المساومة والعبث بمقدرات الأمّة والمجتمع.

١٬٣٢١ / ٦٬٢٠١