نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٤٦٦

(أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا): إنذار وتحذير بصيغة الاستفهام الإنكاريّ من هذا الموقف الشّائن الذي لا يمكن أن يصدر من مؤمن يؤمن بالله والجزاء الأخرويّ، يوم يأتي وقد قامت حجة الله عليه بموقفه ذلك بأنه ضعيف الإيمان، فيكون مصيره الخيبة والخسران، وأما في الدّنيا فتكون حجة الله بمعنى القدرة والسّلطة، فيلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض.

وزيادة في التّشنيع بجريرة النّفاق، جاء هذا الاستئناف البياني في تصريح مؤكد بأن مصير المنافقين ومرتبتهم هي في الدّركة السّفلى من النّار يوم لا يجدون وليّا ولا نصيرا كما كانوا يفعلون في الدّنيا فقال تعالى: (اِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ اِلاَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا)، مما يدلّ على تفاوت العذاب في جهنّم -والعياذ بالله- وأن هؤلاء المنافقين هم من الحطة والمهانة والشر بحيث ينالهم أقسى العذاب في أحط منازل جهنّم ولا شفيع ولا نصير.

وجريا على الأسلوب الحكيم من الموعظة الحسنة بعد التّهديد والوعيد الشّديد: (اِلاَّ الذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للهِ)، يأتي هذا الاستثناء الذي يفتح باب الأمل للتائبين الذين يجب أن تتوفر فيهم ثلاثة شروط: الإصلاح بعد التّوبة، والاعتصام بحبل الله، وإخلاص الدّين لله؛ فكل من هذه الشّروط الثّلاثة تقتضيها التّوبة النّصوح حين تصدر من منافق يريد أن يطهّر نفسه من أدران النّفاق، فالإصلاح في العمل والسّلوك هو التّجسيد للإيمان الصّحيح، وهو المظهر الصّادق الذي ينمّ عن تزكية النّفس وتطهيرها، وأما الاعتصام بالله والإخلاص له فهما الدّليل القاطع على طرح كلّ نفايات الكفر وقطع الرّجاء والتّوسل بغير الله كما كانوا يفعلون من قبل.

١٬٣٢٩ / ٦٬٢٠١