نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٤٧٢د) - البيان والتّفسير:
ما يزال السّياق يتعرّض لأحوال المناوئين للدعوة الإسلامية من المشركين والمنافقين في ما سبق، وهنا عاد يتكلّم على مواقف اليهود والنّصارى، حتى تتضح صورة الإيمان الصّحيح في أصوله الثّابتة من الإيمان بالله ورسله، وهما الأصلان الأولان المتلازمان تنبني عليهما بقية الأصول الأخرى التي تندرج في الإيمان بالغيب، وليس للإنسان معرفة بذلك إلا عن طريق الوحي، وإشكالية أهل الكتاب في نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنهم لا تعوزهم الدّلائل القطعية والحجج المقنعة على صدق نبوءته سواء منها النّقلية أو العقلية، وإنما هو الحسد والعصبية الجنسية والمنافع السّياسية والاقتصادية هي التي أعمت بصائرهم وأضلّت قلوبهم بالكفر والعناد فقال تعالى:
(اِنَّ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُّفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُومِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَّتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً):
جيء باسم موصول مؤكد ليدلّ على العموم، فيتناول كل مَن مِِن شأنه أن يفرّق بين الإيمان بالله والإيمان برسله من جميع الملل والنّحل وفي كل زمان ومكان، وصيغة المضارع تدلّ على أن هذه الصّفة متجددة فيهم ومستمرّة، فهم وإن ادّعوا أصل الإيمان بالله، ولكنهم في الحقيقة يكفرون به عندما اتخذوا له أندادا مثل مشركي مكة أو اتخذوا له صاحبة وولدا كاليهود والنّصارى، وما كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا لأنه دعاهم إلى التّوحيد الخالص لله وتنزيهه عمّا لا يليق بألوهيته وربو بيته.