نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٤٩٤

وقد تستعمل البشارة بمعنى النّذارة للاحتقار والتّهكمّ، كقوله تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً اَلِيماً) (النساء:138). ومتى قام رسل الله بمهمتهم الثّقيلة في التّبليغ فليس يقدح في أحدهم أن يكون الوحي المنزّل عليه كتابا مكتوبا أو كلاما مسموعا أو همسا خفيّا، أو إلهاما صادقا.

(لِيَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ): يأتي هذا التّعليل لبيان الحكمة الإلهية من إرسال الرّسل، وهي تتمثل في قطع العذر عن الخلق عندما يحاسبون على أعمالهم في موقف الحساب فيقولون: (رَبَّنَا لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى) (طه:134). وهذا التّعليل يفيد بأن مؤاخذة الله للنّاس على ما قدّموه من أعمال تتوقف على إرسال الرّسل وإنزال الكتب، إذ لولا ذلك لكان للنّاس مجال للاعتذار إما بالجهل أو بعدم التّبليغ لهم، وبالتّالي يفهم من الآية الكريمة أن الهداية إلى معرفة الله والقيام بطاعته لا تعرف إلا من طريق الرّسل، إذ لا يمكن للعقل البشري مهما بلغ من الحكمة والنّضج أن يهتدي إلى تلك المعرفة الصّحيحة لمقام الألوهية، فكان من تمام رحمته تعالى أن يأخذ بيد هذا العقل وينير دربه حين تناوشه التّصوّرات الخاطئة، وهو يتلمّس الطّريق إلى الله بما أودعه في أصل فطرته من الاعتقاد بقوّة غيبية هي مصدر هذا الوجود العظيم.

ومهمة الرّسل أن يضعوا المعالم على طريق الوصول إلى الله، ويؤطروا هذا العقل حتى لا تتفرق به السّبل، وهم في إرشادهم متفرّقون، لا يدفعونه بالقهر والإكراه، بل بآلياته التي زوّده الله بها للبحث والنّظر، وللملاحظة والاستنباط.

١٬٣٥٧ / ٦٬٢٠١