نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٥ · صفحة ٣

(إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى اَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ (أَلْقَاهَآ إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ): بيان للحق المطلوب قوله في الآية السّابقة، واستعملت أداة: "إِنَّمَا" لإفادة حصر المسيح عليه السلام في الصّفات الثّلاثة المذكورة له، أولاها أنه رسول الله إلى بني إسرائيل ليجدّد عهدهم في عبادة الله، ويكفكف غلوّهم في حب الدّنيا ومتاعها حتى صاروا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، وثانيها أنه كلمة الله ألقاها إلى مريم، والمراد بكلمة الله تعلق إرادته تعالى بأمر التّكوين "كن" فتكون الكائنات وفق أمره تعالى طوعا أو كرها، وليس غياب سبب من الأسباب المألوفة عندنا … -نحن البشر- بمانعٍ رب العزة أن يخلق ما يشاء، كازدواجية الذّكورة والأنوثة لخلق الأجنّة في الأرحام، وقد ضرب الله لقدرته على ذلك مثلا من خلق آدم ابتداء بدون وجود تلك الازدواجية، فقال جل من قائل: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ’ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُو كُن فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِين) (آل عمران:59 - 60). ذلك هو الحق الذي نؤمن به-نحن المؤمنين-.

يقول الإمام ابن عاشور: "والقصد من هذا القصر إبطال ما أحدثه غلوّهم في هذه الصّفات غلوّاً أخرجها عن كنهها، فإن هذه الصّفات ثابتة لعيسى، وهم مثبتون لها فلا ينكر عليهم وصف عيسى بها، لكنهم تجاوزوا الحدّ المحدود لها فجعلوا الرّسالة البنوّة، وجعلوا لكلمة اتحاد حقيقة الإلهية بعيسى في بطن مريم، فجعلوا عيسى ابن الله ومريم صاحبة لله سبحانه، وجعلوا معنى الرّوح على ما به تكوّنت حقيقة المسيح في بطن مريم من نفس الإلهية".(1)

(1) 1 - الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 5/ 50 - 51.

١٬٣٦٦ / ٦٬٢٠١