نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ١٤٢(وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الاَرْضِ مُفْسِدِينَ): عَثَى أي أفسد، ومصدره عُثْيٌ بضم العين وكسرها، ولم يقرأ أحد من القرّاء بضمّ الثّاء في المضارع.
ج) - البيان والتّفسير:
يتوالى التّذكير بنعم الله على بني إسرائيل، وهي هنا نعمة الإحياء بعد الإماتة لبعض أسلافهم، وهم الذين اختارهم موسى لميقات ربّه، إذ قالوا له: (لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)، والقائلون هم أولئك الأسلاف، فخوطب بها الأخلاف على اعتبار القاعدة السّابقة في المسؤولية الجماعية للشّعوب والأمم أباً عن جدِّ، قال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ، ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنم بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
لم يتّفق المفسّرون على تحديد صنف المخاطَبين الصّادرة عنهم تلك الجريرة مع رسولهم، فمن قائل: إنّهم السّبعون من شيوخ بني إسرائيل المختارين للذّهاب مع موسى إلى الميقات، ومن قائل: إنّ ذلك وقع من عامّة النّاس تحدّياً لموسى بعد أن اصطفاه الله تعالى برسالته وبكلامه، فكان منهم هذا الطّلب المعجز الذي جعلوه شرطاً لإيمانهم برسالته، وأيّاً كان القائلون فإنّ العقوبة التي ترتّبت على تلك الوقاحة على مقام الألوهية والرّسالة تدلّ على فداحة الجرم، وعلى غلظةٍ في الطّبع ناتجة عن القهر والتّسلّط ممّا عاناه بنو إسرائيل من جبروت فرعون، جعلتهم مادّيين مفرطين في عنادهم وتعنّتهم مع رسولهم، فتوالت عليهم تلك النّكبات تتلوها في كلّ مرّة رحمة من الله عليهم كمعجزات ماديّة تؤيّد موسى في رحلة إنقاذهم وخلاصهم.