نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٥ · صفحة ٧٠(وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ): وقد حمل بعض العلماء النّسيان بترك عملهم بما أمروا به، غير أن صاحب المنار وكثير من المفسرين يرى أن النّسيان كان بسبب إهمالهم لكثير من نصوص كتابهم، سيما عندما قهرهم البابليون فضاع الكثير من تلك النّصوص، والتّعبير بلفظ "الحظ" في صيغة النّكرة يدل على أنه قسم لا يستهان به، بينما القسم الآخر قد بقي بين أيديهم.
(وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحِ اِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ): الخطاب للرّسول، يخبره الله تعالى بما يكون عليه موقف اليهود من دعوته، واختير الفعل الدّال على الاستمرار ليعلم الرّسول وأمته من بعده أن الخيانة والمكر والكيد هي صفاتهم التي لا يمكن أن ينخلعوا عنها سواء في حاضرهم بالمدينة مع الرّسول وصحابته، أو في جزيرة العرب وفي كل بقعة من العالم يحتكون فيها بالمسلمين، بل حتى مع فصيلتهم من النّصارى، كما تشير إليه الآية اللاحقة، وإطلاع الرّسول على خياناتهم قد يتوصل إليها عن طريق الوحي، وقد يعرفها عن طريق الممارسة والخبرة، وهو الحكيم الخبير بالطّبائع البشرية يواجهها بما يناسب أمزجتها موجها ومرشدا، أو قائدا مهيبا مطاعا، وجريا على الآداب القرآنية العالية لم يعمم الحكم على هؤلاء جميعهم، إذ جاء الاستثناء: (إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ) ممن صدق إيمانهم وتمحصت سرائرهم، وإن كانوا قلة.
(فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحِ اِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ): مرجع الضّمير (عَنْهُمْ) فيه احتمالان: أن يكون العفو والصّفح للقليل المؤمن الوفّي، أو لجميع اليهود مهما سلف من خيانتهم وكيدهم، وقال بعض المفسرين بنسخ هذه الآية بآية سورة التّوبة: (قَاتِلُواْ الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِر) (29).