نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ١٤٤

التّظليل بالغمام في بيئة صحراوية قاسية نعمة لا تقلّ شأناً عن نعمة تفجير الماء الشّروب كما سيأتي، ولولا ذلك الظّلّ الذي لازمهم في رحلتهم في صحراء سيناء للفحتهم حرارة الشّمس وما استطاعوا إكمال مشوارهم إلى الأرض المقدّسة، وسكّان الصّحراء يعرفون نعمة الظّلّ، تلك النّعمة التي جعلها الله تعالى من خواصّ الجنّة ينعم بها المتّقون، بينما الكفّار تنضج جلودهم بلفح جهنّم، فقال تعالى ممتنّاً على المتّقين: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً) (النساء:57).

وفي الكفران بنعمة الظّلّ قصّ علينا تبارك وتعالى نبأ أهل سبأ، وقد طغوا بما آتاهم الله من ظلال جناتهم على يمين وشمال سدّ "مأرب" العظيم، إذ امتنّ الله عليهم بقوله: (سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ـامِنِينَ) (سبأ:18)، ولكنّهم قابلوا تلك النّعمة بالكفران والجحود فقالوا: (رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) (سبأ: 19)، ومع الكفران زوال النعمة وحلول النّقمة: (وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمُ، أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ اِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (سبأ:19).

ز) - من طبيعة الرّحلات الصّحراوية أن يقتصر المسافرون على الضّروري من الزّاد والماء، وقد ألف بنو إسرائيل في مصر حياة الإقامة بما يتوفّر فيها من أنواع المُتع في المطعم والمشرب، ولذا فإنّ خروجهم في هذه الرّحلة الشّاقّة رحلة الإيمان والانعتاق من الكفر والقهر بقيادة رسولهم على أمر الله وتوجيهه، جعلت وتيرة حياتهم تتغيّر، فهم وإن كانوا ينتفعون بمواشيهم التي اصطحبوها معهم، فأنّى لهم غيرها من خيرات الأرض؟ ومَنْ غَيْرُ موسى يسأل الله ويستمدّ منه العون؟.

١٤٤ / ٦٬٢٠١