نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٥

(إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنَ اَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الاَخَرِ): والعجيب في القصة أن يكون دافع الغيرة والحسد قربة إلى الله قام بها الأخوان، مما يدلّ على أن باعث الحسد في النّفوس لا يقتصر على الحظوظ المادية العاجلة، بل لعل الحظوظ المعنوية قد تكون أشدّ إثارة للغيرة والحسد، ذلك لأنها مدعاة للحصول على الحظوظ المادية، سيما الوجاهة والحظوة عند النّاس، يقول المتنبي قريبا من هذا المعنى في قصيدته التي مطلعها:

عيد بأية حال عدت يا عيد … بما مضى أم لأمر فيك تجديد؟؟

إلى أن يقول:

ماذا لقيت من الدّنيا، وأعجبها … أنّي لما أنا شاكٍ منه محسود

والذي حمله على الحسد-أي قابيل لهابيل- هو القبول من الله لقربان هابيل. وجوابه لأخيه الذي توعّده بالقتل: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) يشعر بأن سبب القبول هو التّقوى الذي يتميّز بها هابيل دون أخيه، إذ فيه تعريض بسلوك أخيه من سوء النّية والعصيان.

أمّا كيف عرف الأخوان بهذا القبول، فلم يتعرض إليه النّصّ، وجاء البناء للمجهول في فعل "تُقُبّل" مع الزّيادة في المبنى لإظهار العناية بالمقبول، وقبول الله أمر غيبي لا يمكن لأحد أن يجزم به مهما بلغ من التّقوى وخشية الله، بل هو بين الخوف والرّجاء، كما تقتضي آداب الإسلام. وتذكر الرّوايات أن العلم بذلك كان بوحيٍ لأبينا آدم، والمؤمن الوفيّ قد يجد علامات في نفسه، أومن خلال التّيسير الذي يرافق أعماله، يكون مظنة لقبول الله لمبراته.

وفي جواب الأخ لأخيه المتوعّد نوع من الاعتذار والتّبرير بأنه ليس له دخل في هذا الأمر الإلهي، فليس في موقف الأخ المقبول منه ما يثير حفيظة أخيه المرفوض، وهو شبيه بجواب الرّسول للذي قال له: «إن لي عشرا من الولد، ما قبلت أحدا منهم قط. فقال له الرّسول: أفأ ملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟؟».(1)

(1) – الحديث.

١٬٤٦٣ / ٦٬٢٠١