نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٧

ورجوع الإنسان إلى ربّه يمثل هذه الأثقال من الآثام التي يجمع فيها بين ءاثامه وءاثام غيره، لهو رجوع مشؤوم، يجعل صاحبه أهل النّار، مثوى الظّالمين البغاة.

(فَطَوَّعَتْ لَهُ’ نَفْسُهُ’ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ’ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ): كيف كان تأثير ذلك الموقف الرّزين الهادئ من طرف «هابيل» في نفس الأخ الهائج المستوفز؟؟ إنه الاستسلام إلى فورة الغضبية والانصياع إلى هوس الإجرام، غير أن التّعبير بجملة: (فَطَوَّعَتْ لَهُ’ نَفْسُهُ’ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ’): يوحي بأن الأخ المفتون تنازعته صرا عات نفسية بين الإقدام والإحجام وهو يتأرجح بين العاطفة والواجب، بين النّفس الأمارة بالسّوء والنّفس اللّوامة، ولكل منهما بواعث ودوافع في ذات الإنسان، وهو أمامها ذو كسب واختيار، يمتلك العقل المدبّر والإرادة المنفّذة، وأمام ذلك الصّراع النّفسيّ المتأجّج تنتهي المعركة الدّاخلية بغلبة أحد الطّرفين فيتحدّد بذلك موقف الإنسان من الحق والباطل ومن الصّلاح والفساد، وفي كل حالة تتدخل العوامل المؤثرة من ظروف البيئة، ومن أسلوب التّربية وموحيات المحيط بصفة عامة لتغليب أحد الجانبين عن الآخر.

يقول المتنبّي:

والظّلم من شيم النّفوس فإن تجد … ذا عفّة فلعلّة لا يظلم

فالعلة في امتناع «هابيل» عن مقابلة العدوان بمثله هي الخوف من الله: (إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ): فهذا العنصر الفعال من أثر الإيمان في حياة الإنسان، قد ضعف في نفس «قابيل» وليس ثمة رادع آخر من وازع السّلطان يثنيه عن عزمه، فلا مناص -إذن- من وقوع الجريمة: (فَقَتَلَهُ’ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

١٬٤٦٥ / ٦٬٢٠١