نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ١٤٩ولسقيا الماء وسائلها في عرف النّاس، كهطول الأمطار، أو حفر الآبار، أو تفجّر الينابيع، وجريان الأنهار، قال تعالى: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الاَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ)، ولتكن هذه هي الوسيلة المعجزة لموسى في الحصول على هذه المادّة الحيويّة، والقدرة الإلهية الخارقة كانت عصا موسى رمزاً لها، إذ بمجرّد أن يحرّكها بيديه تسري منها إلى المادّة الموجّهة إليها تلك القوّة الإلهية المقتدرة، فتصبح المادّة طيّعة منقادة إلى إرادة الله، فإذا الحجر القاسي المطروح في تلك الأرض يتفجّر عن اثنتي عشرة عيناً بعدد أسباط يعقوب- وهم رؤساء قبائل بني إسرائيل-، وذلك لتستقلّ كلّ قبيلة بمشربها فلا يتدافعون عليها ولا يتقاتلون. وأغلب المفسّرين على أنّ "أل" في الحجر للجنس فأيّ حجر يضربه موسى بعصاه تتحقّق به المعجزة، فلا فائدة لنا في تعيينه وتحديده.
(كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الاَرْضِ مُفْسِدِينَ): تحوّل السّياق إلى صيغة الخطاب وبالأمر الإلهي بالأكل والشّرب من رزقه حلالاً طيّباً، حتّى لكأنّ السّامعين هم مع أجدادهم يتنعّمون بما منحهم الله فيكون ذلك أبلغ في التّذكير، وانفع في السّلوك.
وقد يكون التّرف والنّعيم مدعاة للفسق والفجور حين ينشغل المُنْعَم عليه بإشباع رغباته ونزواته فينسى حقّ المنِعِم ويهمل شكر النّعمة، فكان التّعقيب بالنّهي عن الإفساد في الأرض في أشدّ صوره وهو"العِثيّ"، تحذيراً وإنذاراً من العواقب الوخيمة.