نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ١٥٤

وهكذا عاقبهم الله على ذلك الموقف، فقال تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ): عطفت هذه الجملة على ما قبلها على اعتبار أنّها في معنى النّتيجة لمدلول ما قبلها من الجُمل، وهي تبيّن أنواع العقوبات التي سلّط الله عليهم، فهي وإن لم تكن مادّية مهلكة فإنّها أنكى وأشدّ إيلاماً، إذ هي عقوبات نفسية واجتماعية ما تزال تلازمهم بقدرة الله وإن ظهروا للنّاس اليوم أنّهم في عزّة وقوّة، فقد حرمهم الله من المقوّمات الضّرورية للإنسان السّويّ، كالقناعة والرّضا واطمئنان الخاطر، والشّعور الذاتي بالسّعادة والنّخوة … إلخ. فهم وإن كانوا أصحاب أموال وجاه وعلم، يجعلهم الجشع والحرص والخوف من الفقر يعيشون في فقر دائم، ويجعلهم الجبن المستكنّ في دمائهم حرصاً على الحياة في ذلّ مستمرّ، وبالتّالي تنعدم عندهم مقوّمات الدّولة القويّة المعتمدة على نفسها، فهم في حاجة إلى الدّعم والمساندة، كما هو واقعهم اليوم مع الولايات المتّحدة الأمريكية والاتّحاد الأوروبي، وصدق الله مولانا العظيم إذ قال في بيان هذا المعنى بسورة آل عمران: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) (آل عمران:112).

والتّعبير بالضّرب للدّلالة على الإحاطة والاحتواء، كما تحيط القبّة المضروبة بمن فيها، فهم لا ينفكّون عن تينك الصّفتين تلازمان طباعهم لزوم الظّلّ لصاحبه، ثمّ بيّن الله تعالى أسباب تلك الأحوال، بأنّها بما كسبت أيديهم فقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِئايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّئِينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَالِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ):

١٥٤ / ٦٬٢٠١