نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ١٠٦

وجيء "بمن" لتوكيد النّفي للنّتائج المرجوّة للآيات، ثم بإبرة الاستثناء ليدلّ على أن الإعراض هو شأنهم في كل موقف. ولبيان سبب ذلك الإعراض قال تعالى: (فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَاتِيهِمُ (أَنبَآؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ): فالإعراض الكلّي منهم، وإصرارهم عليه، إنما منشأه التّكذيب. والحق الذي كذّبوا به هو هذا الدّين الذي جاء من عند الله لينير لهم الطّريق، بإنزال هذا القرءان على الرّسول الذي يقرّون بأمانته وصدقه، وبشرفه وكرم محتده. فلم تجدهم الآيات الصّامتة ولا النّاطقة. وعاقبة ذلك التّكذيب أنه سيحلّ بهمك ما حلّ بالمكذّبين من قبلهم. وقد أجمل الله تعالى أخبار ذلك الوعيد إمعانا في التّهديد، حتى يذهبوا في التّوقعات كل مذهب. وذكر الاستهزاء بعد التّكذيب دليل على ما بلغ إليه هؤلاء من الإصرار والعناد والإنكار. والتّهديد نوع من العلاج للنفوس القاسية حين لا ينفع الإقناع والحوار.

(أَلَمْ يَرَوْا كَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الاَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الاَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ):

الكلام مستأنف لبيان ما توعدهم به الله تعالى بدعوتهم إلى التّأمّل والاعتبار بما حدث للمكذبين من قبلهم. والإلتفات إلى الماضي للتأسّي والاعتبار هو المقصد الأسمى من تسجيل أحداث التّاريخ. والتّركيز فيه على مصارع الطّغاة لهو أجدى في إبراز طبيعة الحياة وسنن الله في خلقه، والقرءان الكريم قد وظّف مثل هذا الأسلوب في إرشاده، وفي أغلب الأحوال يجعل أسباب الهلاك للقرون الخوالي هو الانحراف والانحلال الخلقي الذي ينجرّ

١٬٥٦٤ / ٦٬٢٠١