نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ١٣٩(وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ):
الجملة معطوفة إمّا على قوله تعالى: (لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ): على أن تكون جوابا "للو" أيّ لو ردّوا لكذّبوا بالقرءان أيضا، أو تكون الجملة معطوفة على قوله تعالى: (يَقُولُ الذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّآ أَسَاطِيرُ الاَوَّلِينَ): وهي تفيد نفي البعث بصيغة الحصر والتّقدير: "لا حياة لنا إلا حياة الدّنيا" فتكذيبهم بنزول القرءان يجرّهم إلى التّكذيب بالحياة الأخرى. وكلاهما من الأمور الغيبية التي تعتمد على التّصديق القلبّي والإذعان لجلال الله و عظمته. والإيمان باليوم الآخر عنصر أساسّي في العقيدة الإسلامية يجعل المؤمن متوازنا في نظرته إلى الحياة الدّنيا، إذ يتخذها معبرا للآخرة فلا يجور ولا يطغى. قال تعالى: (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِهَا وَالذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَآ إِنَّ الذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) (الشورى:18). ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجاثية: (وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ اِنْ هُمُ (إِلَّا يَظُنُّونَ) (24).
والبعث حياة ثانية هم ينكرونها اعتمادا على استمرار وتيرة الحياة الدّنيا في حاضرهم المشاهد، إذ يرون أن الأموات يموتون ولا يرجعون. وتقصر مداركهم عن فهم الحقيقة الوجودية في نظرتهم إلى الإنسان والحياة والكون. ولكنهم سوف يقرّون بخلاف ذلك عندما ينكشف الغطاء لهم يوم يقول النّاس لربّ العالمين فيقولون مستعطفين. (قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلِ اِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ)؟؟ (غافر:11).