نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ١٥٦

إن بين الوصف بشدة العداوة من جانب اليهود والمشركين، وبقرب المودّة للمسلمين من جانب النّصارى تفاوتا كبيرا ينمّ عن مدى طبع كل طائفة وتوجّهها الدّيني، فبينا نجد اليهود نزّاعين إلى المادية المتطرفة وما يتولّد عنها من الحرص والأنانية والحيلة والمكر، نجد النّصارى على العكس من ذلك في نزعتهم إلى التّواضع والزّهد، والميل إلى الطّيبة حتى مع الأعداء إتباعا لوصايا السّيد المسيح:"من ضربك على خدّك الأيمن فأدر له خدّك الأيسر" وقد عرفهم العرب بهذه الصّفات لانتشار أديرتهم في جنوب الجزيرة واحتكاكهم بهم في الشّام. وقصة الرّاهب "بحيرا" مع الرّسول معروفة من السّيرة الشّريفة. ثم بيّن الله نموذج تلك المعاملة اللّيّنة وجعل من أسبابها وجود القسيسين والرّهبان هؤلاء الذين وصفهم الله في سورة الحديد بما يؤيّد ما في هذه الآية الكريمة. إذ قال عزّ من قائل: (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَاهُ الاِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِم (إِلَّا ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) (الحديد: 27). وهنا يثنى الله عليهم بالتّواضع: (وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ). (وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ). أي أنهم إذا سمعوا القرءان المنزل على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم تأثروا به تأثرا كبيرا يعبّرون عنه بالبكاء الشّديد الحارّ، وذلك بسبب إذعانهم للحق الذي ينطق به، سواء بذكره لحياة المسيح، كما في قصة جعفر بن أبي طالب مع النّجاشي وقساوسته، أو بما ورد في الإنجيل من البشارة ببعثة سيدنا محمد. فتكون: (مِنَ الْحَقِّ): بيانية أو تبعيضية.

١٬٦١٤ / ٦٬٢٠١