نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ١٧٠وحتى تتضح الصورة لاستغلاق تلك القلوب وشدة قساوتها، رسم الله هذه الصورة البديعة فقال: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنم بَعْدِ ذَالِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوَ اَشَدُّ قَسْوَةً)، وتشبيه قساوة القلوب بقساوة الحجارة، لأنّها أعرف للنّاس وألصق باستعمالاتهم في كلّ مراحل حياتهم، بل أصبحت تلك القلوب أشدّ قسوة منها، وبما أن المشبّه به يجب أن يكون أقوى من المشبّه، فإنّ إكمال الصّورة تطلّب نوعاً من التّعليل والبيان فقال جلّ من قائل: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الاَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)، ومهما اختلف اللّغويّون في معنى "الواو" هنا، فإنّ الجمل المتلاحقة لتعداد الأحوال التّي تفضل فيها الحجارة تلك القلوب، هذه الجمل متمكّنة من مكانها المناسب ليجيء بعدها ذلك التّعقيب الذي يحرّك الشّعور الإيماني.
وصف الله تعالى الحجارة الصّلبة بثلاث صفات تدلّ كلّها على أفضليّتها على تلك القلوب، إذ تنزّلت في قساوتها وإعراضها عن ذكر الله عن دركة الحجارة القاسية بمحض تكوينها الطّبيعي، فقال تعالى:
- (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الاَنْهَارُ).
- (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الاَنْهَارُ).
فهذه الحجارة الصّلبة بطبيعتها قد تلين فينبثق منها عنصر الحياة المتمثّل في الماء، إمّا عيوناً تسقي ما حولها، وقد تجتمع دافقة غزيرة، فتسيل أنهاراً تحمل الخير والبركة إلى أبعد مدىً تحيي الأرض وتسقي الحرث.
- (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ).