نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٣١٨

(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ): وكما أرشد الله إبراهيم لرؤية الحق بفطرته السّليمة، فأدرك بها أن ما عليه أبوه وقومه من عبادة الأصنام هو الضّلال المبين، فكذلك أراه الله عظمة ملكه، وكشف له من أسرار خلقه في السّماوات والأرض. ما يزداد به يقينا وإيمانا بعد ذلك الوعي المتفتح لحقائق الوجود، والإلهام الفطريّ المؤدّي إلى توحيد المعبود، فالفطرة السّليمة إذا نوّرها العقل الواعي، فإنها بعد النّظر والتّأمّل في بديع صنع الله وتناسق خلقه، فإن صاحبها -غالبا- ما يوفّق إلى الإيمان الحق كما حدث لكثير من العلماء والفلاسفة، فما بالك بالأنبياء والمرسلين حين يقتربون من سنّ الكمال العقلي، إذ ينصرفون إلى ذلك التّأمّل والنّظر في ملكوت الله، إرهاصا لتلقّي خبر السّماء، كما كان يفعل رسول الله في غار حراء بعد سنّ الخامسة والثّلاثين. وهذا ما حدث لإبراهيم عليه السلام بتوفيق الله ومشيئته في ذلك الإلهام وتلك الرّؤية. فكيف كانت تلك الرّحلة التّأمّلية لإبراهيم في ملكوت السّماوات والأرض؟؟ … إنها رحلة في الطّريق إلى الله. انطلق فيها بدافع من فطرته السّليمة، وهو يمتلك –بفضل الله- العقل الواعي والنّظر الحصيف. فبعد أن وجد ما يفعله أبوه وقومه ضلالا مبينا، استشرفت نفسه الزّكية إلى التّماس الحق المكنون في صفحة الكون العجيب، ومع خلوص النّية وتوجّه العزيمة لمعرفة الحق بأدلته النّاصعة ومحاولة العبد الصّالح لذلك بصدق وإرادة، فإن الله تعالى يوفّق ويرشد وييسّر الأسباب، فإذا بالحقائق تنكشف، وإذا بالأسرار تستبين للبصيرة، وقد توفّر لصاحبها التّأمّل الرّزين الواعي، والكشف اللّدنّي من الذي يعلم السّر وأخفى.

١٬٧٧٦ / ٦٬٢٠١