نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٣٢٠

فرّع الله تعالى على ما رءاه إبراهيم من ملكوت السّماوات والأرض جملة، فرّع هذه الرّؤية الخاصّة على صفحة السّماء وقد لّبدّت له ناصعة عندما جنّ عليه اللّيل، أي أخفى من حوله الأشياء المرئية ولفّها بظلامه، فانحصرت رؤيته في صفحته السّماء. وكم يبدي اللّيل من أسرارها وعظمتها .... وكم تستهوى نفوس العاشقين، وتهزّ عواطف المشوقين .... وها هو ذا إبراهيم يلتمس طريقة إلى الحبيب الأعظم، بع أن سفّه أحلام قومه في ما هم عليه من زيغ وضلال في تصوّرهم للمعبود، ورؤيته لكوكب بصيغة التّنكير، يدلّ على أنه كوكب يتميّز بإشراقه ولمعانه، ولعله من الكواكب التي يعبدها قومه حتى قيل في التّفسير النّقلي أنه كوكب المشتري أو الزّهرة. واستعماله لاسم الإشارة: (هَذَا رَبِّي): هو التّعبير عن تلك الميزة، ثم هو يدلّ أن هذا القول كان منه في مقام المناظرة لقومه وهو يستدرجهم بذلك للإنكار عليهم وإلزامهم الحجة وإعلان براءته منهم في نهاية المطاف بقوله: (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ): وهذا الأسلوب من المجادلة الرّزينة بوضع الفرضية المزعومة في نظر القوم ثم تقضها بالحجة المنطقية، هي من الأساليب الحكيمة في إقناع الخصم والسّير معه خطوة فخطوة إلى حظيرة الصّواب. وليس في تصريح إبراهيم بقوله: (هَذَا رَبِّي): ما يريب في إخلاصه ويقينه بربّه المعبود الحق، لأنه لا يقصد به تكريس الكفر في نفوس قومه، بل يريد إنقاذهم وإرشادهم بمثل ذلك الأسلوب الإستدراجي الحكيم، ألا ترى قوله بعد ذلك: (فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لآَ أُحِبُّ الاَفِلِينَ): أي غاب ذلك الكوكب في الأفق.

١٬٧٧٨ / ٦٬٢٠١