نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04
الجزء ٦ · صفحة ٣٤٩(وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمُ (أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ): وفي استئناف لدي المحكمة العليا، يسمعون مثل هذا التّقريع، يسمعونه من لدن الخالق العظيم، يذكّرهم بما نسوه في مسيرتهم بالحياة الأولى. كيف خرجوا إليها من بطون أمهاتهم فردا فردا حفاة عراة غولا، لا يملكون ولا يعلمون شيئا وفي غمرة الزّهو والغرور بمتاع الدّنيا ينسى الإنسان تلك الحقيقة الوجودية، والتّذكير بها من طرف رسل الله وورثتهم من العلماء قد لا يجد له صدى في نفوس المستكبرين المعادين. وما أبلغ التّعبير بالمجيء مؤكدة باللام المشعرة بالقسم، والإخبار بتحقيق المجيء بعد وقوعه إنما هو للتذكير بما كان من جحودهم وإنكارهم لتلك، وتشبيهها بالمجيء الأوّل في صورة الخلقة هو لإسقاط كل ما كان يغترّ به هؤلاء من متاع الدّنيا، إذ لا اعتبار له عند الله، ولتأكيد ذلك المجيء الفرديّ قال تعالى: (وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الذِينَ زَعَمْتُمُ (أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَؤاُْ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ): ولا خلود بالمال والجاه كما كانوا يتوهمون.
وإمعانا في التّخطئة والتّنديم لهؤلاء عطف على المقولة السّابقة جملة: (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الذِينَ زَعَمْتُمُ (أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَؤاُْ): فهي نفي لفكرة الشّفعاء والوسطاء التي تقوم عليها الوثنية الجاهلية.
(لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ): أي انقطع ما كان بينكم وشركائكم من صلات وخابت ءامالكم في ما كنتم تزعمون، وفي ذلك من التّهكّم والتّأييس ما يزيد الظّالمين ءالا ما وإعناتا. فاللّهم لا تخزنا يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
-والله أعلم-