نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 04

الجزء ٦ · صفحة ٣٧٨

(وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِالاَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ): ويترتب على ذلك الغرور بزخرف القول، أن تميل إلى وحي الشّياطين قلوب أولئك الذين لا يؤمنون بالآخرة. ومن بلاغة القرءان أن لم ينف عن هؤلاء الإيمان كلية. إذ أن الإيمان الصّادق باليوم الآخر هو مفرق الطّريق بين الصّالحين ومن هم دون ذلك، وإن كان الإيمان بيوم الآخر هو من مقتضيات الإيمان بوحدانية الله، غير أن ضعف الوازع الإيماني باليوم الآخر على الخصوص قد يصيّر المؤمن به إيمانا سطحيّا كالذي لا يؤمن به إطلاقا في سلوك كل منهما ارتكابا للفواحش وطاعة لهوى النّفوس ووسوسة الشّياطين، فحصول الرّضى في ما يقترفه كل فريق منهما إنما هو نتيجة لذلك الاغترار وذلك الميل القلبيّ إلى المعاصي والآثام. والمؤمن الوفيّ النّقيّ لا يتمادى في الغفلة والنّسيان، بحيث يزيّن له الشّيطان عمله، وتغرّه الأماني الكاذبة في عفو الله ومغفرته أو شفاعة الشّافعين. والله تعالى يقول في سورة الأعراف: (اِنَّ الذِينَ اتَّقَوِاْ اِذَا مَسَّهُمْ طَآئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) (201). بل إن عباد الله الأوفياء هم أولئك الذين يعرفون أنهم سيموتون، وهم من السّاعة مشفقون لأنهم يعلمون أنها الحق، وهؤلاء لا تجد الشّياطين إلى قلوبهم سبيلا: (اِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ اِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (الحجر:42). يقول الإمام ابن الجوزي في هذا المعنى: "من عاين بعين بصيرته تناهي الأمور في بداياتها نال خيرها ونجا من شرّها، ومن لم ير العواقب غلب عليه الحسّ، فعاد عليه بالألم ما طلب منه السّلامة، وبالنّصب ما رجا منه الرّّاحة. وبيان هذا في المستقبل، يتبيّن بذكر الماضي، وهو أنك لا تخلو أن تكون عصيت الله في عمرك أو أطعته. فأين لذة معصيتك؟ وأين تعب طاعتك؟؟ …

١٬٨٣٦ / ٦٬٢٠١