نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ١٩٥والانتقال من الخطاب إلى الغيبة بعد ذكر صفات النّقص، فيه امتهان لهم بإبعادهم عن الحضور في البال، فلا اعتبار لهم في مجال التّكريم، والتّقدير لأنّ مقولتهم: (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْف) تتّجه إلى الرّسول والمؤمنين حطًّا من شأن الدّعوة الإسلامية ويعتذرون في الصّدّ عنها أنّ قلوبهم في أغلفة، فهي لا تعي ما يقوله الرّسول، ولا تفقه ما يتكلّم به، وفيه إيماءٌ خبيثٌ، بأنّ ما يدعوهم إليه ليس بحقِّ، إذ لو كان حقاًّ لوعته قلوبهم، وذلك على المعنى الأصلي "للأغلف"، وهو أن يكون محجوباً عمّا لا يلائمه، فجاء الرّدّ الإلهي بما يبيّن كذبهم ويسجّل عليهم الكفر والعناد، إذ أضرب الله عمّا ادّعوه من القصور في الفهم والإدراك، ولكنّه الكفر الذي سدّ عليهم منافذ الهدى فلم يلتفتوا لحجّة الرّسول، كما حكى الله عن المشركين في قولهم: (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِي ءاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنم بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلِ اِنَّنَا عَامِلُونَ) (فصّلت:5).
وبسبب ذلك الكفر استحقّوا الطّرد من رحمة الله، إذ مردوا على الضّلال ودرجوا على الكفر حتّى استأنسوا به، فكان ذلك الاختيار سبباً في حرمانهم من نور الهداية، وما كان الله ليظلمهم بذلك الحرمان والإبعاد إذ جرى ذلك على سنّة الله في خلقه بقانون الأسباب والمسبّبات، فهم كسائر الخلائق مفطورون على الفهم والإدراك لو أرادوا ذلك.