نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠توالت المعطوفات لحكايات أحوال اليهود وتعداد مواقفهم المخزية في نَفَسٍ طويل لمحاجّتهم، تثبيتاً لرسول الله وتأييداً لدعوته، وقد أعرضوا عنها واعتذروا بأنّ قلوبهم غُلْفٌ، فهم لا ينفكّون عن الاعتذار والتّلفيق، بينما السّبب في كلّ ذلك هو الكفر والحسد، ولم يترك الرّسول وسيلةً لإقناعهم واستمالتهم إلى الإسلام إلاّ وابتدرها معهم، وها هي دعوته إيّاهم إلى الإيمان بما أنزل الله، وهي دعوة كلّ رسول، فلا يملكون الامتناع عنها لأنّهم يدّعون أنّهم مؤمنون، ولكنّهم ككلّ مرّة يجدون التّعلاّت لأنفسهم في اعتذار ذكيّ إذ أجابوا الرّسول بقولهم: (نُومِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا)، أي أنّهم في إطار الإيمان من قِبل تلك الدّعوة المحمّديّة، واختيار صيغة المضارع (نُومِنُ) للدّلالة على ديمومتهم على ذلك الإيمان، فهم ليسوا بحاجة إلى غيره، وقوّة الحجّة في صيغة الدّعوة تكمن في قوله تعالى: (ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ)، إذ تتناول ما أُنزل على رسلهم، وما أُنزل على محمد، ولكنّ ردّهم ينمّ عن الإفلاس في الحجّة، ما داموا يقرّون أنّ المنزّل للوحي على الرّسل هو الله تعالى، ولذا جاء الرّدّ الإلهي بما يفضح حقيقتهم فقال: (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ).
فالجملة حالية، تنمّ عن حقيقته في اعتقادهم بأنّ الإيمان بما في التّوراة يقتضي الكفر بغيرها وهو القرآن، فجاء الرّدّ مؤكّداً لصدق القرآن وحقيقته في كونه مماثلاً لحقّية التّوراة في الدّلائل المثبتة للنّبوءة، وكونه مصدّقاً لما معهم، والنّتيجة هي إسقاط دعواهم بالإيمان الحقيقي بما أنزل عليهم، بل شأنهم في ذلك الفسوق وغلبة الهوى، وأسند الله ذلك الحكم بهذا الرّدّ المبكّت فقال مخاطباً رسوله وكلّ من يناظر بالقرآن، (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِئَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّومِنِينَ).