نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 05
الجزء ٧ · صفحة ١١٣وقد تكرّرت على لسان هود نفس الدّعوة في مبناها ومعناها وذيّلت بالاستفهام الإنكاريّ: ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾: أي تبتعدون على ما يسخط الله من الكفر والعصيان، وفي ذلك تهديد لهم أن يصيبهم مثل ما أصاب قوم نوح، بدليل ما ذكّرهم به من أن الله جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ اَمِينٌ﴾:
ترك العطف بالفاء للعلّة السّابقة المذكورة في مقولة هود من دعوته، غير أن الملأ وصفوا هنا بالكفر دون ما في قصة نوح قيل لأنه كان من الأشراف من ءامن به على عكس قوم نوح، فالقليل الذين ءامنوا ليسوا من الأشراف بدليل قولهم له: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الذِينَ هُمُ (أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ (هود:27). ووصفهم إياه بالسّفاهة والكذب مع توكيده بمؤكدات عدة دليل على الوقاحة وسوء التّقدير، فهم يرون استنكاره لتقاليد ءابائهم سفاهة وحمقاء، وادّعاءه الوحي والرّسالة كذبا وزورا. وهكذا تختلّ الموازين وتنقلب المفاهيم حين تعتلّ المجتمعات، فيغدو الحليم سفيها ويعتبر الصّادق الأمين كاذبا خؤونا. وتعتبر الدّعوة إلى الله وإلى صراطه المستقيم رجعية وضلالة. وتتشابه الأجوبة والمواقف أزاء كل دعوة للخير والصّلاح، ويظلّ الإنسان هو الإنسان في طبعه الجحود الكنود، وفي مسلكه المتكبّر العنود، ويبقى صراع الحق والباطل سنة اجتماعية ما دامت الأرض والإنسان.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ اَمِينٌ﴾: