نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 05

الجزء ٧ · صفحة ٢٤٢

عطفت هذه الجملة من الأخبار التي تنبي بأحوال قوم موسى بعد خروجهم من مصر. عطفت على قوله تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون﴾: وهي الحالة الأولى لهؤلاء القوم في موقفهم من رسالة موسى. فمنهم المهتدون العادلون، ومنهم المنحرفون الفاسقون وكثرة عددهم يقتضى ذلك التّقسيم إلى اثنتي عشرة مجموعة تمتاز كلّ منها بنظامها في تدبير شؤونها وقيل إن موسى - عليه السلام - جعل على كل سبط عريفا لينضبط أمرهم وتنتظم أحوالهم فلا يتحاسدون ولا يتدابرون. وأن عدد الأسباط كان بعدد أولاد يعقوب - عليه السلام -: وإذ هم في صحراء قاحلة لا طعام فيها ولا شراب ولا ظلال. فإن موسى - عليه السلام - قد تحمّل مسؤوليتهم في كفاية ضروراتهم. ومن غير الله تعالى كفيلا وراعيا؟؟ وما يزال قومه على استعصاء وتردّد لأدنى ضيق أو حرج يلمّ بهم وهم في ذلك التّيه الموحش. وهنا تتوالى نعم الله على موسى، وهو يلتجيء إليه في كل مرّة خاشعا متذلّلا. والماء هو أول ضرورة تلحّ عليهم في طلبها باستسقاء موسى، وقد أنهكهم العطش فأوحى الله إليه أن أضرب بعصاك الحجر. فنتج عن ذلك انشقاق ذلك عن اثنتي عشرة عينا بعدد مجموعات الأسباط؛ إنها معجزة تحققت بقدرة الله تعالى. وإلا فما قدرة العصا يضرب بها الحجر القاسي ليتفجّر ماء، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الاَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (74). ولكن حكمة الله اقتضت أن يرتبط تحقق المعجزة بذلك السّعي البشريّ، وإن كان ضئيلا -في مثل تحريك العصا والضّرب بها- حتى لا تنتقص سنّته في تدبير شؤون الحياة بربط المسبّبات بأسبابها، حتى لا ينتظر خلقه المعجزات الخوارق تنزل من السّماء.

٢٬١٨٦ / ٦٬٢٠١